![]() |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
أسبــوع الأستعداد - الأسبوع الأول من الصوم الكبير
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
أسبــوع الأستعداداليوم الأول [ الأثنين ] من الأسبوع الأول من الصوم الكبير
ارتباط القراءات تــرك الشــر تدور فصول هذا اليوم جميعها حول موضوع واحد هو " ترك الشر " فالنبوة الأولى تتكلم عن ظهور الله للصارخين إليه من الخطية كما ظهر لموسى فى العلية ، والثانية عن حثه لشعبه على تركها كما حث بنى إسرائيل على لسان إشعياء على ذلك . ويتكلم إنجيل باكر عن سخط الله على مرتكبيها كما سخط على الفريسيين لتجديفهم عليه ، وتتحدث العظة إلى المؤمنين عن ضرورة تركها ، أما إنجيل القداس فيتكلم عن إحيائه لتاركيها .. وتشير رسالة البولس إلى دينونة الخطاة ، ورسالة الكاثوليكون إلى أنهذه الدينونة ستكون بلا رحمة ، والأبركسيس إلى فتح باب الإيمان لهم كما فتحه الله للأمم على يد بولس وبرنابا .
مزمور باكر : " يارب لا تبكتنى بغضبك ولا تؤدبنى بسخطك . ارحمنى يارب فإنى ضعيف . اشفنى يارب فإن عظامى قد اضطربت : هلليلويا "
البولس : رو 1 : 26 – 2 : 7 أولا : رو 1 : 26 – 32
26لذلك
اسلمهم الله الى اهواء الهوان لان اناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي
بالذي
على خلاف الطبيعة
رومية 2 : 1 – 7
1 لذلك
انت بلا عذر ايها الانسان كل من يدين لانك
في ما
تدين غيرك تحكم على نفسك لانك انت الذي تدين تفعل تلك الامور بعينها
+ يرى القدّيس أغسطينوس أن هؤلاء الذين نسبوا لأنفسهم الحكمة فسقطوا في العبادات الرذيلة هم الرومان واليونان والمصريّون الذين مجدوا أنفسهم تحت اسم الحكمة. ب. إذ تركوا الله الذي يُعلن ذاته لهم خلال الطبيعة تخلَّى هو أيضًا عنهم كشهوة قلوبهم، هذا هو ما عناه الرسول بقوله: "لذلك أسلمهم الله أيضًا في شهوات قلوبهم إلى النجاسة، لإهانة أجسادهم بين ذواتهم" [24]. تركوه بإرادتهم، وإذ هو يُقدر الحرّية الإنسانيّة ويكرمها، أعطاهم سؤل قلبهم وهو تركهم، فمارسوا شهوات قلوبهم الشرّيرة، حيث ارتكب الرجال والنساء قبائح لا تليق حتى بالطبيعة [26-27]. ويرى القدّيس يوحنا كاسيان أن الإنسان إذ يسقط في الكبرياء حتى وإن كان طاهرًا جسديًا، يسمح الله بالتخلّي عنه لكي إذ يسقط في شهوات جسديّة ظاهرة أمام عينيه يقدر أن يدرك الكبرياء الخفي الذي لا يراه. لهذا السبب نجد كثير من الشباب يسقطون في الرجاسات الجسديّة بالرغم من مواظبتهم على وسائل الخلاص، من دراسة في الكتاب وتقديم صلوات، وربّما اعتراف وتناول، لكن العلّة الرئيسية لسقوطهم هو كبرياء قلوبهم. بالكبرياء يفقد الإنسان نعمة الله التي تهبه القداسة، فينهار تحت ثقل شهوات جسده وفساده. ويحدّثنا القدّيس بفنوتيوس عن سماح الله لنا بهذا الانحراف، معلنًا أننا نحن السبب في هذا الفساد، إمّا بسبب كبريائنا أو إهمالنا، إذ يقول: [علينا أن نعرف أن كل شيء يحدّث، إمّا بإرادته أو بسماح منه، فكل ما هو خير يحدّث بإرادة الله وعنايته، وكل ما هو ضدّ ذلك يحدّث بسماح منه، متى نُزعت حماية الله عنّا بسبب خطايانا أو قسوة قلوبنا أو سماحنا للشيطان، أو للأهواء الجسديّة المخجلة أن تتسلط علينا، ويُعلمنا الرسول بذلك، مؤكدًا: "لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان" (رو 1: 25)، وأيضا: "كما لم يستحسنوا أن يُبقوا الله في معرفتهم، أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق" (رو 1: 28). ويقول الله بالنبي: "فلم يسمع شعبي لصوتي، وإسرائيل لم يرضَ بي، فسلّمتهم إلى قساوة قلوبهم، ليسلكوا في مؤامرات أنفسهم" (مز 81: 11-12).] يقول الأب يوحنا كاسيان: [من عدل الحكم الإلهي أن تُعطى المواهب الصالحة للمتواضعين، وتُمنع عن المتكبِّرين المرفوضين الذين يقول عنهم الرسول أنهم مستحقون أن يُسلّموا إلى ذهن مرفوض (رو 1: 28).] إذًا اختار الإنسان في شرّه الفساد، حلّ الفساد به، أمّا الله فهو "مبارك إلى الأبد، آمين" [25] وكأن ما يرتكبه الإنسان إنما يحلُ به لا بالله. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان الفيلسوف لا يتأثر بإهانة الجهلاء له، فكم بالحري الله الأزلي غير المستحيل، لا تبلغ وقاحة الناس إلى طبيعته المجيدة التي لا يعتريها ظلّ دوران.] يقف القدّيس الذهبي الفم هنا قليلاً ليسألنا أن نتشبّه بالله الذي يحتمل الأشرار ولا يتأثّر بشرّهم، فإن طبيعته أسمى من أن تتأثر بهم، هكذا إذ نتشبّه به نحتمل نحن أيضًا شرور الأشرار، إذ يقول: [يليق بنا ألاّ نحاول الهروب من الإهانات بل بالأحرى نحتملها، لأن مثل هذا الاحتمال هو الشرّف بعينه. لماذا؟ لأنه في قدرتك أنت أن تحتمل، أمّا تصليح الآخرين فهو من عمل الغير. أتسمع صدى الضربات التي تسقط على الماس؟ قد تقول هذه هي طبيعة الماس. حسنًا، وأنت في مقدورك أن تتدرّب على ما هو للماس بالطبيعة. ألم تسمع كيف لم تؤذِ النار الثلاثة فتية؟ وكيف ظلّ دانيال في الجب سالمًا؟ فما حدث لهؤلاء ممكن بالنسبة لنا، إذ يوجد حولنا أسود الشهوة والغضب مستعدّة لتمزيق من يسقط تحت قدميها. إذن كن كدانيال واِثبت، فلا تجعل الانفعالات تنشب بأظفارها في نفسك. تقول: هذا من فعل النعمة. حقًا، لكن النعمة تنساب خلال تدريب الإرادة، فمتى كنّا مستعدّين لتدريب أنفسنا على نمط هؤلاء الرجال، تنساب النعمة في داخلنا، عندئذ تقبع الوحوش في مذلّة قدّامنا بالرغم من جوعها. فإن كانت الوحوش قد تراجعت أمام عبد، أفلا تتراجع بالأحرى أمام أعضاء جسد المسيح (أمامنا)! .] ج. ربّما يعتذّر البعض بأن ما يرتكبوه من شرور هو ثمرة ضعف الطبيعة البشريّة وجرْيها وراء اللذّات بلا ضابط، لذا أوضح الرسول أن الإنسان في شرّه صار يمارس حتى ما هو مخالف للطبيعة، يسيء للطبيعة عنه لتحوّل حياتهم إلى جحيم، إذ يقول: "لأن إناثهم استبدلْن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة، وكذلك الذكور أيضًا تاركين استعمال الأنثى الطبيعي، اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض، فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور، ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق" [26-27]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا إذ يتحدّث عن العالم يضع أمامهم اللذّة الطبيعية التي كان في مقدورهم الاستمتاع بها في طمأنينة وفرح قلبي، متحاشين الأعمال المخزية، لكنهم لم يريدوا... إذ أهانوا الطبيعة عينها... جلبوا عارًا على الطبيعة، وداسوا على القوانين الإنسانيّة في نفس الوقت.] يرى القدّيس بوحنا الذهبي الفم أن الإنسان قد حوّل حياته إلى حرب داخليّة وجحيم لا يُطاق، فإن كان الله قد وهب بالطبيعة أن يتزوج الرجل بامرأة، ويصير الاثنان جسدًا واحدًا في انسجام الحب والألفة، أهان الاثنان نفسيهما ودخل كلاهما في حرب داخليّة، فجرت النساء وراء بعضهن البعض وأيضًا الذكور، فتحوّلت الحياة الإنسانيّة إلى انشقاقات وحروب داخليّة لا تنقطع، تقوم ليس فقط بين الرجل وامرأته، وإنما بين النساء وبعضهن البعض، والذكور وبعضهم البعض، فنالوا في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق [27]. هذا ما أكّده كثير من الآباء وهو أن الخطيّة تحمل فسادها فيها، فتسكب من هذا الفساد على مرتكبها ليحمل عقوبته، ليس فقط كأمرٍ يصدر ضده من الخارج، وإنما خلال ممارسته الشرّ عينه. د. قدّم صورة بشعة للإنسان في شرّه، إذ صار لا يطلب اللذّة الطبيعية فحسب، وإنما صار مفسدًا للطبيعة عِوض السُمو بها. فبدلاً من أن يرتفع بالروح، ليسمو بغرائزه الحيوانية، ليصير جسده بغرائزه مقدسًا للرب، صار في بشاعته مفسدًا للطبيعة، يفعل ما لا يرتكبه الحيوان خلال العلاقات الجسديّة الشاذة، سواء بين الإناث وبعضهن البعض أو الذكور وبعضهم البعض. الآن يقدّم لنا قائمة مرّة بما ترتكبه البشريّة المنحرفة، وقد لاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يذكر في قائمته هذه التعبيرات: "مملوءين"، "من كل"، "مشحونين". وكأن الآثام لم تعد أمرًا عارضًا في حياة الإنسان، لكنها تملأ كيانه الداخلي، وتشحنه تمامًا ليرتكب لا إثمًا أو إثمين وإنما "كل إثمٍ"! ه. العجيب أن الخطايا والآثام تحطِّم سلام الإنسان وتفقده فرحه الداخلي، لكنها في نفس الوقت تدفع مرتكبها نحو العجرفة والكبرياء، لذلك جاءت القائمة تصفهم هكذا: "مفترين، مبغِضين لله، ثالبين، متعظمين..." [30]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [التشامخ مع الخطيّة طامة كبرى… إن كان الذي يعمل صلاحًا يفقد تعبه إن انتفخ، فكم يكون إثم الذي يضيف إلى خطاياه خطيّة التشامخ؟ لأن مثل هذا لا يقدر أن يمارس التوبة.] و. إن تأملنا هذه القائمة من الآثام والشرور نشعر أن البشريّة إذ سلّمت نفسها بنفسها للعصيان ومقاومة الله مصدر حياتها وتقديسها، صارت ملهى للخطايا، كل خطيّة تلهو بالإنسان، لتُلقي به في أيدي خطايا أخرى، وهكذا يصير أضحوكة كل الآثام والشرور، ويمكننا هنا في شيء من الاختصار أن نورد ترتيب هذه القائمة هكذا: * يبدأ الإنسان يلهو بلذّة الجسد فيستسلم للزنا [29]. * إذ يتقوقع الإنسان حول لذته الجسديّة، يطلب ما هو لذاته، حتى وإن بدا في الظاهر سخيًا ومبذِّرًا، لكن يتملكه حب الطمع، الأمر الذي يدفعه أيضًا إلى الخبث لتحقيق غايته هذه [29]. * أمّا الطمع فيسبب حسدًا وخصامًا ومكرًا وربّما يؤدى إلى القتل [29]. * هذا الحسد والمكر يدفع الإنسان إلى الاعتداد بذاته، فيصير متعاظمًا [30]. * حب العظمة ينحرف بالإنسان إلى الابتداع وترك الحق [30]. * رفض الحق يدفع الإنسان إلى تعدى الطبيعة، فيصير غير مطيعًا للوالدين [30]. * إذ يتعدى الإنسان حتى أبسط نواميس الطبيعة يفقد الفهم [31]، ويكسر كل عهد طبيعي أو مكتوب، ويخسر طبيعة الحب والحنوّ [31]، بهذا يسقط تحت تحذير الرب: "لكثرة الإثم تفتر المحبّة" (مت 24: 12)، فيصير أبشع من الحيوانات المفترسة التي تتحد معًا كجماعات بحكم الغريزة، أمّا الإنسان فيكره أخاه. ز. في هذا الانحدار البشري إلى ما هو أدنى من الطبيعة تبلّدت القلوب البشريّة فلم يستكينوا للشر فحسب، وإنما صاروا يفرحون بمن يسقط مثلهم، إذ يقول الرسول: "الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت، لا يفعلونها فقط، بل أيضًا يُسرّون بالذين يعملون" [32]. ط. يلاحظ في هذا السفر بوجه عام أنه إذ يتحدّث عن الأمم يُعلن دور الناموس الطبيعي بكونه، كما يقول العلامة ترتليان، ناموس الله الذي يسود العالم منقوشًا على لوحي الطبيعة، لذلك يقول الرسول: "لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس..." (2: 14). وفي هذا الأصحاح يتحدّث عن الأمم في شرٍ ككاسري ناموس الطبيعة الذين "يفعلون ما لا يليق" (1: 28)، كأن تستبدل الإناث "الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة" (1: 26). وعندما يتحدّث الرسول عن التزام المرأة بغطاء الرأس أثناء الصلاة، يقول: "أم ليست الطبيعة نفسها تعلمكم...؟" (1 كو 11: 14). فالمسيحي إذن ملتزم بناموس الطبيعة، بل ويسمو ليبلغ لا إلى تكميل الناموس الموسوي، بل إلى الوصيّة الإنجيليّة العالية. يعالج الرسول بولس موضوع اعتداد اليهودي بنفسه لأنه مستلم الناموس دون سواه من بقية الأمم، ولم يدرك أن الناموس هو مرآة تفضح الخطيّة وتكشف عن الضعف. للأسف بدلاً من أن يستخدمه اليهودي لاكتشاف ضعفاته، فيصرخ إلى الله بالتوبة، طالبًا عمل المخلص، تقسّى قلبه مستخدمًا الناموس لفضح خطايا الآخرين. هكذا بدلاً من أن يدخل به الناموس إلى التوبة اغتصب مركز الديّان، وأقام نفسه لمحاكمة الآخرين، تحت دعوى معرفة إرادة الله ومشيئته. استخدم الناموس لطلب المتكآت الأولى، ليُقيم نفسه ديّانًا للغير. إدانة الآخرين هي في ذاتها إعلان عن التعب الداخلي، كما فعل اليهود عندما أمسكوا بالزانية فأرادوا أن يتشفّوا فيها برجمها، أمّا الديّان فستر عليه بحبه، لكنه لم يتركها في خطيتها، إنما خلال محبته الحازمة أوصاها: "ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطيء أيضًا". هكذا شتان بين تصرف الإنسان الذي يدين أخاه مع أنه مشترك معه في الضعفات، وبين حكم الله الذي يطيل أناته علينا، لعلّنا نتوب فنفلت من الديونة. رومية 2 : 1 - 7هكذا يربط الرسول بولس بين إدانتنا نحن للآخرين وإدانة الله الديّان لنا، مبرزًا النقاط التالية: أولاً: إذ نقيم أنفسنا ديّانين للإخوة ونحن مشتركون معهم في الضعف، نحكم على أنفسنا بأنفسنا خلال حكمنا على الغير، إذ يقول: "لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين، لأنك في ما تدين غيرك تحكم على نفسك، لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها... أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه وأنت تفعلها أنك تنجو من دينونة الله؟" [1-3]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [كأن منطقه يُعلن: يا مَن تدين الزاني وأنت نفسك ترتكب ذات الخطيّة، ألست تدين نفسك بنفسك، حتى وإن لم يدنك أحد؟... أن كنت تعاقب إنسانًا يرتكب ذنبًا أقل منك، فكيف لا يأخذك الله بجريرتك ويدينك بقسوة، خاصة وأنك تحكم على نفسك بنفسك؟] ثانيًا: بحكمك على أخيك ليس فقط تحكم على نفسك بذات تصرفك، وإنما غالبًا ما تخطئ أنت في الحكم، لأنك تحكم حسب الظاهر ولا تعرف أعماق الآخرين ودوافعهم، أمّا الله فيحكم عليك بحق، لأنه عالم بكل أسرارك. بمعنى آخر حتى أن حسبت نفسك أبرّ من أخيك فتحكم عليه وتدينه، فغالبًا ما يكون هذا الحكم ظالما، أمّا الله فهو وحده يدين البشر عن حق، إذ يقول الرسول: "ونحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق على الذين يفعلون مثل هذه" [2]. هذا وقد أبرز الرسول بولس سمات دينونة الله التي تختلف تمامًا عن إدانتنا نحن للآخرين، ألا وهي: أ. أنها "حسب الحق" [2]، لأنه هو "الحق" عينه. ب. أنه لا يودّ العقوبة، إنما في غنى لطفه وإمهاله وطول أناته يودّ أن "يقتادك إلى التوبة" [4]. ج. إنها عادلة [5]. د. "سيجازي كل واحد حسب أعماله" [6]. ثالثًا: أخطأ اليهود، خاصة قادتهم من الكتبة والفرّيسيّين أولاً بتحويل الناموس لا إلى مجال للحياة والعمل الروحي، وإنما لنقد الناس وإدانتهم بروح العجرفة والكبرياء، وثانيًا بكونهم إذ أدركوا لطف الله وطول أناته أساءوا استخدام هذه المعرفة. بمعنى آخر بينما هم يقسون على الآخرين ويدينونهم إذا بهم يستهينون بحب الله وصلاحه، إذ يقول الرسول: "أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة" [4]. لكن طول أناة الله علينا بالرغم من تسرّعنا نحن في الحكم على الآخرين لا يعني إعفائنا من العقاب، إنما حفظه للوقت المعيّن "ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب، تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب، واستعلان دينونة الله العادلة، الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله" [5-6]. الله يطيل أناته لعلّنا نتوب، فإن تمسكنا بالشر زاد العقاب حيث يمتلئ كأس شرّنا، لهذا يرتعب الآباء من عدم التأديب في هذا العالم، حاسبين أن عدم تأديبنا هنا، إنما يحمل غضب الله في يوم الدينونة، عِوض العلاج الخفيف والسريع في هذا العالم بالتأديبات الزمنيّة. + ليت الذين يحبون حنوه يهابون أيضًا حقه (عدله)، فإن "الرب صالح (حلو) ومستقيم (حق)" (مز 25: 8). إنك تحب فيه أنه صالح (حلو)، فلتخشه بكونه الحق... الرب لطيف، طويل الأناة، حنان، وهو أيضًا البارّ والحق. منحك فرصة للإصلاح، لكنك تحت تأجيل الدينونة أكثر من إصلاحك طرقك. هل كنت بالأمس شريرًا، فلتكن اليوم صالحًا! القدّيس أغسطينوس+ كثيرًا ما أحدثكم عن صلاح الله، لا لتستهينوا به وتفعلون ما هو على هواكم، وإلا صار صلاحه هذا مؤذٍ لخلاصنا، وإنما لكي لا نيأس من خطايانا بل نتوب. صلاح الله يقودك للتوبة لا لصنع شر أعظم، فإن فسدت بسبب صلاحه تهين الله أمام الناس. + طول الأناة تقدّم لنا منافع فإن لم نستفد منها نسقط تحت دينونة أشد. القدّيس يوحنا الذهبي الفم+ [يستخدم الله أحيانًا التأديب وتارة الرحمة لحساب الصالحين:] طول أناة الله تدعو الأشرار للتوبة، كما أن تأديب الله يدرب الصالحين على الاحتمال. تحتضن أيضًا رحمة الله الصالحين لتثقيفهم كما أن حزم الله يصد الأشرار بسقوطهم تحت العقوبة.] القدّيس أغسطينوسبمعنى آخر إن كان الإنسان يميل بطبعه إلى القسوة على أخيه، حتى أن قدّم الله له كل حب وطول أناة فيدين الغير ويعنفه، فإن الله على النقيض يودّ خلاص الجميع ويطيل أناته لعل الكل يرجع إليه بالتوبة. لعلّه أيضًا أراد أن يؤكّد أن الله إن كان يطيل أناته عليهم فليس ذلك علامة رضاه عنهم، وإنما علامة صلاحه ينتظر توبتهم. رابعًا: إن كان الله هو الديّان، لكنّنا نحن الذين "نذخر لأنفسنا غضبًا"... إذ يريد الله الرحمة مقدمًا كل وسيلة لعلّنا نقتنيها، أمّا الإنسان غير التائب فيحفظ لنفسه الغضب. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظوا دقة التعبير: "تذخر لنفسك غضبًا"، موضحًا أن الدينونة لا تصدر عن الديّان إنما هي نتيجة لعمل الخاطيء، إذ لا يقول "يذخر الله لك" وإنما "تُذخّر لنفسك"... أنه يحاول اجتذابك بكل وسيلة، فإن ظللت على عنادك تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة. ولكن لا يتبادر إلى ذهنك أن غضبه انفعال عنيف إنما هو العدالة، هو "استعلان"، حيث ينال كل إنسان ما يستحقه.] + + + الأبركسيس ... أعمال 14 : 19 – 28
19 ثم اتى
يهود من انطاكية و ايقونية و اقنعوا الجموع فرجموا بولس و جروه خارج المدينة
ظانين انه قد مات
تحريض ورجم بولس"ثم أتى يهود من إنطاكية وأيقونية واقنعوا الجموع، فرجموا بولس وجرّوه خارج المدينة ظانّين أنه قد مات". [19] هؤلاء الذين أرادوا قتل الرسولين في أيقونية، والذين طردوهما من أنطاكية بسيدية جاءوا إلى لسترة لإثارة الجمهور هناك للخلاص منهما. الذين أرادوا تقديم ذبائح لهما كإلهين هم الذين قاموا برجم بولس. هذا ما يتوقعه الخادم فلا يضطرب أن هاجمه أو اضطهده الذين كانوا يمدحونه الذين كانوا يترنمون ويسبحون السيد المسيح: "مبارك الآتي باسم الرب" هم أنفسهم الذين صرخوا "أصلبه، أصلبه. الذين قدموا له ذبيحة التسبيح أرادوا أن يقدموه ذبيحة! لقد وقفوا حوله حتى يطمئنوا أنه مات، ظنوه هكذا تركوه. لم يكن ممكنًا للموت أن يلحق به، حتى وإن رُجم، مادام له رسالة لم تتم بعد! + هؤلاء الأعداء جرحوه بحجارة، توجد جراحات تحدث بالكلام أردأ من الحجارة. فماذا يلزمنا أن نفعل؟ كما فعل هو؛ فإنه لم يبغض من ألقوه بالحجارة، وإنما بعدما جروه خارجًا، عاد ثانية إلى مدينتهم ليحسن إلى الذين صنعوا معه شرورًا. فإن احتملت من يشتمك وصنع بك شرًا، فانك بهذا تُرجم. لا تقل: "إنني لم أصنع به شرا". فإنه أي شر فعله بولس حتى يُرجم؟ كان يعلن عن الملكوت، كان يجتذب الناس من الخطأ، ويقدمهم لله. مثل هذه الإحسانات تستحق الأكاليل... يستحق بركات كثيرة لا حجارة. + في ذات المدينة التي نالا فيها هذا التكريم نالا معاملة مرعبة للغاية. القديس يوحنا الذهبي الفمتلمذة كثيرين في دربة"ولكن إذ أحاط به التلاميذ قام ودخل المدينة، وفي الغد خرج مع برنابا إلى دِربة". [20] يرى البعض أن رجم بولس الرسول ترك آثارًا في جسمه، لذا يفتخر في الرب قائلاً: "لأني حامل في جسدي سمات الرب يسوع" (غل ٦: ١٧). قيل أنه إذ رُجم أُخذت روحه إلى السماء الثالثة، وتمتع بأمجاد "لا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها" (٢كو ١٢: ٤). رُجم وجروه إلى خارج المدينة ظانين أنه قد مات، ومع هذا أحاط به التلاميذ، فقام ودخل المدينة، بل وفي اليوم التالي سافر مع برنابا إلى دربة... كيف يمكن هذا؟ حتمًا أن التلاميذ صلوا وأظهر الله قوته، لأنه وإن لم يمت فإن رجمه بالحجارة وجره على الأرض حتى خارج المدينة كان يحتاج إلى عدة شهور للنقاهة. أما أن يقوم في الحال ويمشي ثم يسافر على قدميه في اليوم التالي فهذا ليس من عمل طبيعي، بل من عمل نعمة الله الفائقة. فلا عجب أن ترنم قائلاً: "الذي نجانا من موت مثل هذا، وهو ينجي، الذي لنا رجاء فيه أنه سينجي أيضًا فيما بعد" (٢ كو ١: ١٠). عودة وتثبيت الكنائس"فبشّرا في تلك المدينة، وتلمذا كثيرين ثم رجعا إلى لِسترة وأيقونية وإنطاكية". [21] لم يكن ممكنًا للحجارة أن تخترق فكر بولس وبرنابا، وتحطم غيرتهما على خلاص حتى الراجمين. فقد انطلقا إلى حين إلى دربه ليبشرا، ثم عادا إلى لسترة حيث رجم الرسول، وأيقونية وأنطاكية بيسيدية حيث يوجد المحرضون على رجمه. أنهما محبان للجميع. حبهما هو سرّ قوتهما في كرازتهما، وقد وضع الرسول بولس الحب على قائمة ثمار الروح القدس لأنه عطية الروح. + أي شيء يستحق أن يحتل رأس قائمة ثمار الروح إن لم يكن الحب؟ بدون الحب لا تُحسب الفضائل الأخرى فضائل. ومن الحب يولد كل ما هو صالح. القديس جيرومخلال حبه لخلاص الكثيرين قُدم بولس للرجم، وفي وسط تجربته كرمه الله، إذ لم يقهره الموت ولا حطمته التجربة. + يمكن أن يُقدم بولس للموت لكنه لن يقهر قط. البابا غريغوريوس (الكبير) + تجلب التجارب مراحم الله في تحرك نحو النفس، وذلك كما تجلب الريح المطر. لكن المطر الغزير يفسد النباتات الحديثة الزرع الضعيفة، وتجعلها متعفنة وتحطم ثمارها، غير أن كمية معتدلة من الريح تجففها وتجعلها صلبة، هكذا أيضًا التجارب المعتدلة مع النفس... يقول النبي: "يا رب في الضيق طلبوك" (إش 26: 16). الأب دوروثيئوس أسقف غزة"يشدّدان أنفس التلاميذ ويعظانهم أن يثبتوا في الإيمان، وأنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت اللَّه". [22] يبرز إيمان القديسين بولس وبرنابا وحبهما العجيب للخدمة أنهما عادا يبشران في البلاد التي طردا منها، ويوجد بها مقاومون كثيرون لهما. عادا يثبتان ويشددان أنفس التلاميذ غير مبالين بالموت، بل بقوة الروح يتحدونه، وكأنهما ليس فقط احتملا شدائد المسيح، بل كان يسعيان إليها. وقد عبَّر الرسول بولس عن عشقه للموت من أجل المسيح حين كتب رسالته الوداعية لتلميذه تيموثاوس: "صادقة هي الكلمة أنه إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضًا معه، إن كنا نصبر فسنملك أيضًا معه" (٢ تي ٢: ١١-١٢). + كانت الاضطهادات تلي اضطهادات: حروب وصراعات ورجم. هذه كلها ليست بأقل من عمل المعجزات، جعلتهما مشهورين، وأعدت لهما فرحًا عظيمًا. لم يقل الكتاب (عن الرسل) في أي موضع عادوا فرحين لأنهم صنعوا معجزات، لكنه قال أنهم فرحوا إذ حُسبوا أهلاً ان يهانوا من أجل اسمه (أع 5: 41). هذا تعلموه من المسيح القائل: "لا تفرحوا بأن الشياطين تطيعكم (راجع لو 10: 20). فإن الفرح الحقيقي والذي بدون تزييف هو التألم من أجل المسيح. القديس يوحنا الذهبي الفم + لا يُكلل أحد ما لم يجاهد قانونيًا؛ ليست نصرة مجيدة ما لم يكن الصراع متعبًا. القديس أمبروسيوس+ يلزمكم أن تحاربوا ضد إبليس كل يوم تحت قيادة المسيح، فلا تطلبوا المكافأة أثناء المعركة، هذه المحفوظة لكم فى الملكوت يليق بكم أثناء المعركة ألا تطلعوا إلى ما هو محفوظ لكم عندما تنالون النصرة، بل بالأحرى أن تركزوا أذهانكم على ما يقوله الرسول: "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون" (2 تي 3: 12) وأيضًا "بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله". + لا نطلب الفرح (الراحة) في هذا العالم، لأن الفرح الحقيقي يمكن أن يُعد هنا، ولكن لا يُمتلك هنا. لا تطلب في الرحلة ما هو محفوظ لك في موطنك. فإنه يليق بك أن تحارب ضد الشيطان كل يوم تحت قيادة المسيح، فلا تطلب في وسط المعركة المكافأة المحفوظة لك في الملكوت. أثناء المعركة يلزمك ألا تطلب ما هو محفوظ لك عندما تنال النصرة، بل بالأحرى أن تصغي إلى ما يقوله الرسول: "بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله" (أع 14: 22). إذ يهبنا الله القوة يلزمنا أن نعيش بطريقة نتأهل بها أن نعود إلى وطننا الرئيسي بفرح حيث يشتاق أن يرانا، ويرحب بنا السابقون لنا البطاركة والأنبياء والرسل. هناك رفقاؤنا المواطنون الملائكة في مدينة أورشليم السماوية، والمسيح ملك تلك المدينة، ينتظروننا بأذرع الحب المفتوحة. فإن كنا نطرح الشيطان ونمتلئ بالأعمال الصالحة عندئذ نعود إليهم. فإنكم تعرفون أيها الاخوة أن كل التجار والمسافرين يكونون قلقين وهم في الطريق، لكي ما يتحرروا من الاهتمام في وطنهم، ويشعروا بفرحٍ عظيمٍ عندما يتأهلوا أن يبلغوا وطنهم مع ربحٍ عظيمٍ. هكذا نحن أيضًا أيها الأعزاء الأحباء نعد نفوسنا للفرح عندما نتأهل للذهاب إلى المسيح. في نفس الوقت لنفرح هنا فقط في رجاء، أما بعد ذلك فنتعين أن نقتني الفرح حقيقة! + لكي ما يقدم إلهنا القديس يعقوب كذهبٍ نقيٍ في الدينونة المقبلة أزال أولا كل غضن الخطية منه (خلال الضيقات الكثيرة)، حتى تستطيع الشاهد الناري الآخر أن يجده بلا شيء يحترق. + مادام الإنسان يرغب في إتمام أعمال الشيطان فإنه لا يشعر به يقاومه. ولكن إن تركه إنسان، وشرب من الصخرة، واختار أن يتبع المسيح، يلزمه أن يحتمل عداوة الشيطان الذي رفض أن يفضله عن المسيح بأخذه قرارًا سليمًا. لذلك فكل من يتحد مع المسيح يلزمه أن يستعد للمعركة، لا للمباهج والملذات، لأن "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون" ( 2 تي 3: 12). + يلزمنا أن نعرف ونفهم أيها الإخوة الأعزاء أن التجارب لا تفارق المسيحيين ماداموا يعيشون في هذا الجسد... ليته لا يعد أحد نفسه بما لم يعد به الإنجيل، مادام عندما تقترب نهاية العالم - كما يقول الإنجيل - يتزايد الشر وتبرد المحبة (مت 24: 12)... يلزمنا أن نعد نفوسنا ليس فقط للتوبة بل وللصبر. + إن كنا نجاهد أولاً في هذا العالم بإتمام الأعمال الصالحة، فإننا بعد ذلك إذ يكافئنا الرب نبلغ الملكوت. + حقا عندما نبدأ نبحث عن الله بالحق، سنعاني من شر المتكبرين والأشرار، لأنهم لا يعبدون المسيح بنفس الطريقة التي كرز لهم بها كل يوم. الأب قيصريوس أسقف آرل+ الألم هو رباط حقيقي، وسند لحبٍ أعظم، وأساس للكمال والصلاح الروحي. لتصغي إلى القول: "إن أردت أن تخدم الرب أعدد نفسك للتجربة" (ابن سيراخ 2: 1). مرّة أخرى يقول المسيح: "في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن تشجّعوا" (يو 16: 33). في كل موضع ترون الألم ممدوحًا، في كل موضع يُقبل الألم كأمرٍ ضروري بالنسبة لنا. فإنّه في العالم ليس من ينال إكليلاً بدون ألم، ما لم يتقوَّ بالأتعاب والالتزام بنظام معيّن للأكل والتداريب والأسهار، فكم بالأكثر يكون هذا أمرًا واجبًا لمن في هذه المعركة. القديس يوحنا الذهبي الفم+ إذ نحن بشر نعيش في حياة غاية في الخطورة وسط حبائل التجربة. القديس أغسطينوس+ كما أن العالم لابد أن يعبر خلال الشتاء قبل الربيع حيث تتفتّح الزهور، هكذا يليق بالإنسان أن يعبر بتجارب كثيرة قبل ميراث الحياة الأبديّة. وكما قال بولس: "بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت اللَّه". تأتي التجارب بطرق ثلاثة: الإغراء، الانجذاب، والقبول. فالشيطان يغوي، والجسد ينجذب، والعقل يقبل. القديس هيلاري أسقف بواتييه"وانتخبا لهم قسوسًا في كل كنيسة، ثم صلّيا بأصوام، واستودعاهم للرب الذي كانوا قد آمنوا به". [23] بسماح إلهي مر الرسولان بضيقات عظيمة، كانت لبنيان الكنيسة كما لنموها الروحي. فإذا عادا إلى ذات المدن التي عانوا فيها من الضيقات تطلع إليهما المؤمنون بنظرة أفضل وكرامة أعظم. فلم يجد الرسولان صعوبة في انتخاب قسوس لخدمة الكنائس هناك، خاصة وأنهما لم يتم الاختيار بأوامر رسولية ملزمة، وإنما بشركة الشعب كله في الصوم والصلاة. استراحت نفسا الرسولين بسيامة قسوسٍ، واستودعا الشعب في كل مدينة، لا في أيدي الكهنة، وإنما "للرب"، فهو الراعي الحقيقي الخادم لكنيسته والمهتم بكل احتياجاته، والحافظ لها. كان الكل حديثي الإيمان، ويصعب التحقق من إمكانية اختيارهم للصالحين للخدمة، لذلك تم الاختيار بروح الصوم والصلاة، معتمدين على عمل الروح القدس. "ولما اجتازا في بيسيدية أتى إلى بمفيلية". [24] "وتكلّما بالكلمة في برجة، ثم نزلا إلى أتالية". [25] عادا في نفس خط السير الذي جاءا خلاله لافتقاد الكنائس والمؤمنين حتى وصلا إلى ميناء أتاليه (حاليًا انتاليا)، وهي المدينة الوحيدة التي لم يزوراها في مجيئهما، وإنما ربما عبرا بها دون الدخول فيها والكرازة بها. تقرير مفرح في أنطاكية"ومن هناك سافرا في البحر إلى إنطاكية، حيث كانا قد أُسلما إلى نعمة اللَّه للعمل الذي أكملاه". [26] عادا إلى أنطاكية فتمت أول رحلة كرازية للقديس بولس مع القديس برنابا. يرى البعض أنها استغرقت ثلاثة شهور والبعض يرى أنها سنة كاملة. "ولما حضرا وجمعا الكنيسة أخبرا بكل ما صنع اللَّه معهما، وأنه فتح للأمم باب الإيمان". [27] "وأقاما هناك زمانًا ليس بقليل مع التلاميذ". [28] إذ عاد السفيران قدما للكنيسة كشف حساب عن نعمة الله العجيبة التي اقتحمت المدن الوثنية لكي تشرق بنور إلهي في مناطق سادها الفساد وارتبطت بالعبادة الوثنية. بوصول الرسولين انتشر الخبر في أنطاكية، وجاء الكل إلى الكنيسة يسمعون أعجب قصة خاصة بقبول الأمم الإيمان وإنشاء كنائس جديدة وسيامة قسوس. يبدو أن الرسول بولس بقي سنة كاملة في أنطاكية يعلم ويكرز. من وحي أع 14 أنت هو البداية، وأنت هو النهاية! + مع بدء رحلات الرسول كنت أنت البداية، وفي الطريق كنت أنت هو الطريق. وحتى النهاية حملته كما إليك. أنت سرّ نجاحه طول الطريق. بك حمل الرسول كثيرين كما على أجنحة الروح. + وجد الرسول مقاومة مستمرة، ومع كل مقاومة تشدد قلبه وتشجع. حسب الآلام طريق النصرة. وتمتع مع كل ضيقة بصدرك المتسع. إيمانه بك تزايد، ونعمتك لم تفارقه، فأتي بحصاد وفير، من يقدر أن يحصيه؟! + اتحد اليهود مع الأمم لمقاومة رسلك. وأتفق الأعداء المقاومين لبعضهم البعض على تدمير كنيستك. يتصالح الأعداء معًا، ليبثوا روح العداوة ضد الحق. + لتتحد كل قوات الظلمة ضدك. ففي وسط المعركة تتجلى قوتك العجيبة. آيات وعجائب ظاهرة وخفية لا تنقطع. ليس من يقدر أن يعطل عملك الإلهي! مع كل مقاومة، تتجلى نعمتك الغنية. + لتتجلى أنت وحدك فينا. وليُقدم كل مجد لك يا مخلص العالم! لك وحدك تقدم ذبائح التسبيح! لك وحدك تقدم كل كرامة! ليختفي خدامك، وتتمجد أنتٍ فيهم! + كثير من الأباطرة والعظماء نسبوا ألوهيتك لأنفسهم، طلبوا في تشامخهم مجدك مجدًا لهم. أما خدامك فلن يحتملوا كلمة مجد، ولا كرامة خاصة بك تُنسب إليهم! مجدهم أن تتمجد فيهم كما في غيرهم، وكرامتهم أن يقدم الكل الكرامة لك! + في تواضعٍ عجيبٍ يقول الرسول بولس: إنه تحت الآلام مثلهم، أول الخطاة، حتى يضم يقلبه المحب المتواضع كل نفس إليك، يا مخلص الخطاة! + + + مزمور إنجيل القداس : 21 : 25يأكل البائسون ويشبعون . يسبح الرب الذين يلتمسونه . تحيا قلوبهم إلى الأبد : هلليلويا . إنجيل القداس : مرقس 9 : 33 – 50
33 و جاء
الى كفرناحوم و اذ كان في البيت سالهم بماذا كنتم تتكالمون فيما بينكم في
الطريق + + + الملكوت والتواضعإن كان السيد قد رسم لنا طريق خلاصنا بصليبه الذي جاء مخالفًا تمامًا لما ظنه البشر، ففي محبته يشتاق أن يحملنا معه في طريقه الخلاصي خلال التواضع. لقد ظن العالم أن الكرامة الزمنية والسلطة هما طريق الملكوت، لكن الصليب يعلن التواضع سمة ملكوت الله، لذلك إذ كان التلاميذ يتحاجون في الطريق في من هو الأعظم [34]، نادى السيد المسيح الإثني عشر وقال لهم: "إذا أراد أحد أن يكون أولاً فيكون آخر الكل وخادمًا للكل. فأخذ ولدًا وأقامه في وسطهم ثم احتضنه، وقال لهم: من قبل واحدًا من أولاد مثل هذا باسمي يقبلني، فليس يقبلني أنا بل الذي أرسلني" [35-37]. لقد وضع السيد المسيح يده على جرحنا البشري القديم، ألا وهو حب الإنسان للكرامة الزمنية والتسلط. فضح جرحنا مقدمًا لنا نفسه مثالاً ودواءً! فقد بدأ أولاً بإعلان الجرح عندما سألهم عما كانوا يتكلمون فيه ليعلن أنه كلمة الله العارف الخفايا والناظر الكل، فاحص القلوب والكِلى. إذ كشف الجرح أعطى الدواء بتعليمه عن مفهوم الرئاسة الروحية خلال التواضع الممتزج حبًا. ثم قدم لهم مثلاً عمليًا باحتضانه ولدًا ليقبلوا هم البشرية بروح الحب كطفلٍ يحتضنوه ويغسلوا قدميه، فيصيروا خدامًا لا أصحاب سلطة. أما المثل العملي للآخرين فقد وضح بقوله أنه من يقبله لا يقبله هو، بل الذي أرسله، مع أنه واحد مع الآب! في حب ممتزج بالطاعة يقدم الابن الآب وإن كان لا ينفصلان قط! فيما يلي بعض مقتطفات للآباء بخصوص الخدمة الحقيقية وروح التواضع: + ناقش التلاميذ في الطريق من يكون رئيسًا، أما المسيح نفسه فنزل ليعلمنا التواضع. فإن الرئاسات تجلب التعب، أما التواضع فيهب راحة! القديس جيروم+ يريدنا ألا نغتصب الرئاسات لأنفسنا، بل نبلغ العلويات السامية بالتواضع... يا لعظمة التواضع، إذ تربح لنفسها سكنى الآب والابن والروح القدس. ( الأب ثيؤفلاكتيوس) + حثهم على التواضع والبساطة بنفس المنظر، لأن هذا الولد طاهر من الحسد والمجد الباطل ورغبة الترأس. ( القديس يوحنا الذهبي الفم ) + التواضع رفع موسى، أما المتكبرون فابتلعتهم الأرض. + التواضع هو أرض حاملة للفضائل، فإن نُزع التواضع هلكت كل الفضائل. + آباؤنا الجبابرة مهدوا لنا الطريق، إذ لبسوا التواضع الذي هو رداء المسيح، وبه رفضوا الشيطان وربطوه بقيود الظلمة. + البس التواضع كل حين، وهو يجعلك مسكنًا لله. ( القديس يوحنا سابا ) الملكوت واتساع القلبإذ حدثنا عن الملكوت الإلهي كيف نخدمه بالتواضع خلال الصليب، خشي لئلا يفهم ذلك بطريقة سلبية لذلك كشف ربنا يسوع المسيح هنا عن التزام أبناء الملكوت للعمل بقلبٍ متسعٍ. فإن كان السيد المسيح نفسه جاء إلى الصليب في اتساع قلب للبشرية لاق بأبنائه أن يحملوا ذات سمته. قال له يوحنا: "يا معلم رأينا واحدًا يخرج الشياطين باسمك، وهو ليس يتبعنا، فمنعناه، لأنه ليس يتبعنا" [38]. لعل القديس يوحنا لم يمنعه عن غيرة منه أو حسد، لكنه اشتاق أن تكون لهذا الإنسان تبعية للسيد المسيح ولقاء معه، ولا يكون مستغلاً لاسم السيد المسيح في إخراج الشياطين. لكن السيد قال له: "لا تمنعوه، لأنه ليس أحد يصنع قوة باسمي ويستطيع سريعًا أن يقول عليّّ شرًا. لأن من ليس علينا فهو معنا، لأن من سقاكم كأس بارد باسمي لأنكم للمسيح فالحق أقول لكم أنه لا يضيع أجره" [39-41]. هذا الحديث يكشف أن ذاك الذي كان يخرج الشياطين لم يكن ضد المسيح لا بفمه ولا بقلبه، بل كان يعمل لحساب المسيح بإيمان صادق، وإن لم تكن قد أُتيحت له الفرصة للتبعية الظاهرة. إيماننا لا يقوم على أساس تعصبي وتحكم في الآخرين، بل اتساع القلب للكل والوحدة مادام الكل يعمل خلال إيمان مستقيم. وحدتنا الكنسية المسكونية لا تقوم على تجمعات، وإنما على وحده الإيمان الحيّ. هذا ونلاحظ أن السيد قد تحفظ في كلماته، إذ يوجد أيضًا من يصنع قوات باسم المسيح لكنه يضمر شرًا في قلبه كالهراطقة مسببي الانقسامات والأشرار في حياتهم العملية. يقول السيد نفسه "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب أليس باسمك تنبأنا، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذ أصرح لهم: أني لا أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 7: 22-23). بهذا القلب المتواضع والمتسع بالحب يلزم أن نسلك دون أن نعثر الآخرين، وفي نفس الوقت دون أن نتعثر بسبب الآخرين، أي ليكن قلبنا متسعًا بالحب، لا على حساب خلاص إخوتنا الأصاغر، ولا على حساب خلاص نفوسنا. فمن جهة تحذيرنا من عثرة الصغار يقول: "من أعثر أحد الصغار المؤمنين بي، فخير له لو طوّق عنقه بحجر رحىَّ وطرح في البحر" [42]. بمعنى آخر يليق بنا أن تكون قلوبنا متسعة، فنحتمل ضعفات الآخرين كصغارٍ نترفق بهم ولا نعثرهم في الإيمان. ويقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) تفسيرًا لهذه العبارات بقوله أن حجر الرحى يُشير إلى العلماني الذي يرتبك بأمور هذه الحياة فيدور حول نفسه كما حول حجر رحى في مللٍ وتعبٍ بلا هدف ولا راحة، أما الطرح في أعماق البحر فيعني أشر أنواع العقوبة، وكأنه خير لذلك الذي يرتدي ثوب العمل الكرازي أو الخدمة ويعثر الصغار أن يترك وظيفته ويصير علمانيًا، فإنه حتى وإن نال أشر أنواع العقوبة فسيكون له أفضل من إعثار الآخرين وهو خادم، لأنه بدون شك إن سقط بمفرده تكون آلامه في جهنم أكثر احتمالاً. بقدر ما يتسع قلبنا بالحب لا نُعثر صغار نفوس، ويلزمنا بحكمة أيضًا أن نهرب من النفوس المعثرة لنا، لكن دون إدانة لهم، إذ يقول: "وإن أعثرتك يدك فأقطعها، خير لك أن تدخل الحياة أقطع، من أن تكون لك يدان وتمضي في جهنم إلى النار التي لا تطفأ، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تُطفأ" [43-44]. وما يقوله عن اليد يكرره بخصوص الرجل والعين أيضًا. وقد سبق لنا تفسير مفهوم اليد والرجل والعين روحيًا، لذا نكتفي بعبارة القديس يوحنا الذهبي الفم [لا يتحدث هنا عن أعضائنا الجسدية بل عن أصدقائنا الملازمين لنا جدًا، والذين يحسبون ضروريين لنا كأعضاء لنا، فإنه ليس شيء يضرنا مثل الجماعة الفاسدة (الصداقات الشريرة).] أخيرًا يختم حديثه عن فاعلية المسيحي باتساع قلبه نحو الكل، مشبهًا إياه بالملح الذي يُصلح الآخرين من الفساد، قائلاً: "لأن كل واحد يُملح بنارٍ، وكل ذبيحة تُملح بملح. الملح الجيد، ولكن إذا صار الملح بلا ملوحة، فبماذا تصلحونه، ليكن في أنفسكم ملح، وسالموا بعضكم بعضًا" [49-50]. كأنه يقول أن الملح يفقد كيانه إن فقد ملوحته التي بها يُصلح الطعام، هكذا المسيحي يفقد كيانه كمسيحي إن فقد حبه للغير ومسالمته للآخرين. الحب ليس سمة أساسية في حياتنا بل هو بعينه حياتنا، بدونه نفقد وجودنا المسيحي. ماذا يعني بقوله "كل واحد يُملح بنار"؟ في العهد القديم كانت الذبائح يلزم أن تُملح قبل تقديمها على المذبح لتحرق، هكذا إن كانت حياتنا ذبيحة حب، فالله لن يقبلها ما لم تكن مملحة بملح الحب الأخوي. + + +
اليوم الثانى [ الثلاثاء ] من الأسبوع الأول من الصوم الكبير
ارتباط القراءات الألتصاق بالخيرتدور فصول هذا اليوم جميعها حول موضوع واحد هو " الألتصاق بالخير " أى ضرورة التصاق المؤمنين به ، فالنبوة الأولى تتكلم عن اتجاه الأمم إلى شريعة الله كما تنبأ عن ذلك إشعياء ، والثانية عن بركته لهم كما بارك يهوذا وإسرائيل . ويتحدث إنجيل باكر عن دعوتهم إلى التوبة ، كما صرح يسوع بأنه ما جاء ليدعو أبرارا بل خطاة إلى التوبة ، وتحضهم العظة على عمل الخير ، أما إنجيل القداس فيتكلم عن رحمة المخلص بهم من المقاومات التى يلقونها على أثر توبتهم . وتشير رسالة البولس إلى غنى مجده عليهم بدعوتهم ليكونوا شعبه بعد أن كانوا من الأمم ، وتحضهم رسالة الكاثوليكون على عمل الخير ، والأبركسيس على تحمل الآلام فى سبيله كما تحملها الرسل من اليهود .
من النبوات .... إش 1 : 19 – 2 : 3 تقديس الحرية الإنسانية ، إذ يقول : " إن شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض ، وإن أبيتم وتمردتم تؤكلون بالسيف لأن فم الرب تكلم " إش 1 : 19 ، 20 . يفتح الله أبواب محبته أمام الجميع لكنه لا يلزم أحدا ، فهو يطلب قلب الإنسان كتقدمة اختيارية ، يقدم له الطريق ويهبه إمكانية العمل وفى نفس الوقت يترك له حرية الإختيار . عتاب من واقع الماضى : يقارن هنا بين ما كانت عليه أورشليم قبلا وما صارت عليه خلال انحرافها وفسادها ، بأسلوب مملوء رثاء وحزنا عميقا . غشعياء النبى صريح كل الصراحة ، لكنه مملوء حبا وعاطفة ! أ – كانت أورشليم " القرية الأمينة " إش 1 : 21 ، وقد صارت " زانية " يشبهها بالعروس التى كانت مخلصة لعريسها السماوى ، تحفظ وصاياه وتعلن بهاءه ومجده خلال حياتها ، وقد جرت وراء آخر ( العبادة الوثنية ) فتنجست بزناها الروحى مع محبيها ( حز 16 : 25 ، 32 ، 36 ) – كانت عذراء ( إش 37 ) تتحد مع عريسها واهب القداسة لكنها تركته واتحدت بالرجاسات . ب – كانت " ملآنة حقا ، كان العدل يبيت فيها ، وأما الآن فالقاتلون " إش 1 : 21 . كانت مسكنا للقدوس الذى هو " الحق " و " العدل " ، يبيت الرب فيها إذ يجد فيها راحته ، لكنها صارت مسكنا للقتلة ، لذا يقول الرب " ليس لإبن الإنسان أين يسند رأسه " مت 8 : 10 ، لو 9 : 58 ، حين تكون مقدسة تقول : " حبيبى لى ، بين ثديى يبيت " نش 1 : 13 . لكنها متى تنجست يصير قلبها " بين ثدييها " مسكنا للشر . جـ - تسرب الزيف إليها فصارت فضتها زغلا يحمل لمعان الفضة ومنظرها لكنه لا يحمل مادة الفضة ولا قيمتها .. صار خمرها مغشوشا بالماء ( إش 1 : 22 ) يحمل لون الخم لكنه مغشوش ماء ... هذه صورة عن الإهتمام بشكليات العبادة وحرفية تنفيذ الوصايا بالمظاهر الخارجية دون الإهتمام بالأعماق . مسيحنا يحول الماء خمرا ، أما الشرير فيحول الخمر ماءا د- " رؤساؤك متمردون ولغفاء اللصوص " إش 1 : 23 ، أى يؤاكلون اللصوص ويحفظون ثيابهم أثناء السرقة يحولون الرعاية إلى سلطة وعناء ، قد لا يسرقون لكنهم يتركون عدو الخير بجنوده يسرقون الشعب ويغتبون قلوبهم وهم غير مبالين بسبب حبهم للسلطة . يحبون الرشوة والعطايا المادية أو الأدبية ، و لا يبالون بالأيتام والأرامل ، لأن المجد الزمنى شغلهم عن التفكير فيهم . حولوا أورليم " كنيسة المسيح " إلى بيت للظلم والقسوة والعنف . الديان يتقدم كمخلص : أمام هذه الصورة البشعة لا يقف الله مكتوف الأيدى ، وإنما يقوم " رب الجنود ، عزيز ( قدير ) إسرائيل " إش 1 : 24 كقائد للجنود السماوية اعتزت يده بالقوة من أجل خلاص شعبه مما حل بهم . يلاحظ هنا : أ – دعى الله بثلاثة ألقاب [ السيد " يهوه " ، رب الجنود ، عزيز ( قدير ) إسرائيل ] . يرى بعض الدارسين أنها إشارة خفية عن الثالوث القدوس . وحملت أورشليم 3 ألقاب : مدينة العدل ، القرية الأمينة ، صهيون تفدى بالعدل ( إش 1 : 28 ) . ودعى الأشرار بألقاب ثلاثة أيضا : المذنبون ، الخطاة ، تاركو الرب ( إش 1 : 28 ) . ب – يحسب الله من يتلف شعبه حملا ثقيلا ( إش 23 : 24 ) ، فلا يكف عن مقاومة الشر حتى يستريح ويستريح معه شعبه : " أستريح من خصمائى ، وانتقم من أعدائى " إش 1 : 24 . تبقى أحشاء الرب تحن على شعبه حتى يحطم الشر ! جـ - " ينقى أورشليم من الزغل كما بالبورق ( ربما يقصد بوتاسا المعادن ) ، إذ يعيد خلقة الطبيعة البشرية ليرد للكنيسة جمالها الأصيل كما بنار الروح القدس المطهر . إنه ينقينا ايضا بالتأديب ولو ظهر قاسيا كالنار . د – " وأعيد قضائك كما فى الأول " إش 1 : 26 . إذ يعيد الإنسان إلى كرامته وتعقله كما كان فى بدء خلقته فيكون كقاض حكيم . هـ - يرد لأورشليم أو للنفس البشرية لقبها : " مدينة العدل القرية الأمينة " إش 1 : 26 . إذ تصير الكنيسة – الكنيسة الجديدة – مدينة الله – عامود الحق وقاعدته ، العروس الأمينة لعيسها . يشبه العالم هنا بالبطمة ، لأن اليهود اعتادوا أن يقيموا عبادة البعل والعشتاروت تحت شجرة البطمة . يشبه تاركو الرب بالبطمة التى ذبل ورقها ، وبالجنة التى بلا ماء ماء ( إش 1 : 29 ) ، لماذا ؟ خلق الله الإنسان كجنة يجد الرب فيها ثمرته حلوة فى الداخل . كل ما يحمله الإنسان من طاقات وأمكانيات وعواطف وغرائز هى عطايا إلهية أشبه بأشجار مغروسة فى جنة يرويها ماء الروح القدس فتثمر بركات لا حصر لها . أما إن حمت منه الروح فتجف وتحق بالنار ، وتتحول كما إلى مشاقة ( نسالة كتان ) ( إش 1 : 31 ) ، أى ما تبقى من كتان بعد مشطه ليستخدم وقيدا للنار . + + + إشعياء – الإصحاح الثانى جبــل بيت الرب فى الأصحاحات 2 – 4 ركز إشعياء أنظاره على أورشليم – جبل بيت الرب – مع أنه لم يفارقها لكن حنينه إليها وشوقه إلى تقديسها لا يقل عن ذات حنين أنبياء السبى الذين عاشوا بالجسد فى بابل أما قلوبهم فتعلقت بمدينة الله التى أصابها الخراب . ( 1 ) مقدمة : " الأمور التى رآها إشعياء بن آموص من جهة يهوذا وأورشليم " إش 2 : 1 . كان قلب إشعياء مشغولا بشعب الله ( يهوذا ) وبالمدينة المقدسة ( أورشليم ) ، فقد امتلأ حزنا على ما بلغ إليه الحال ، رأى شعبا ضربه الفساد ، ومدينة تهدم هيكلها الروحى فأنت أحشاءه عليهم . أمام هذا الحب الخالص وهبه الله بصيرة وقدم له رؤى ونبوات لتعزيته وتعزية كل نفس جريحة من أجل البشرية ، قدم له الله كلمته المحيية . ( 2 ) جبل بيت الرب ماذا قدم الله لإشعياء الجريح النفس ؟ حمله بالروح إلى ملء الزمان ليرى يهوذا الجديد – السيد المسيــــح – وأورشليم الجديدة حيث يبنى هيكل الرب ويقام ملكوت الله فى القلب . لذا قال : " يكون فى آخر الأيام أن جبل بيت الرب يكون ثابتا فى رأس الجبال ويرتفع فوق التلال وتجرى إليه كل الأمم " إش 2 : 2 .
سحب الرب قلب إشعياء النبى إلى ملء الزمان ليرى السيد المسيح الذى يقيم كنيسته عليه شخصيا بكونه صخر الدهور ، الجبل الذى رآه دانيال النبى المقطوع بغير أيدى الذى يملأ الأرض ( دا 2 : 34 – 45 ) ، الصخرة الحقيقية التى تفيض مياة الروح على شعبه ( 1 كو 10 : 4 ) والتى لا تستطيع الحية أن تزحف عليه لتقترب إلى شعبه . يكمل النبى : " وتجرى إليه كل الأمم وتسير شعوب كثيرة ويقولون : هلم نصعد إلى جبل الرب إلى بيت إله يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك فى سبله ، لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب " إش 2 : 2 ، 3 معروف أن الشريعة صدرت من جبل سيناء للشعب اليهودى ، لذا فهو يتحدث عن شريعة جديدة تصدر من أورشليم موجهة إلى المسكونة كلها . + هذه الشريعة ليست ملكا لأمة واحدة بل لكل الأمم ، فإن شريعة الرب وكلمته لا تبقيان فى صهيون وأورشليم بل تنتشران فى كل المسكونة . لذلك يقول رب المجد يسوع لتلاميذه : " هذا هو الكلام الذى كلمتكم به وأنا بعد معكم أنه لا بد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير ... " لو 24 : 44 – 47 . + هناك ( فى أورشليم ) أخبر التلاميذ : " اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس " مت 28 : 19 . نلاحظ فى هذه الكنيسة المؤسسة على جبل الجلجثة والمنطلقة من أورشليم تحمل قوة الروح القدس أنها : * كنيسة ثابتة ، تقوم على جبل الرب الثابت ( إش 2 : 2 ) . * كنيسة عالية فى رأس الجبال ( إش 2 : 2 ) .. * كنيسة جذابة للأمم والشعوب ( إش 2 : 2 ، 3 ) .. أبوابها مفتوحة للجميع . * عملها مستمر أن تصعد بالبشر ( إش 2 : 3 ) .. بالحب تنزل إليهم دون أن تفقد قدسيتها أو طبيعتها السماوية .. * رسالتها اعلان طريق الرب ( إش 2 : 3 ) ، تحمل كلمته إلى كل نفس وتقدم وصيته ليعيشها كل مؤمن .. * تعلن أحكام المسيح العادلة ، حيث يخضع المؤمنون من كل الأمم لملكوته وسيادته ، كسيادة روحية فريدة فى نوعها .
مزمور باكر : الرب يرعانى فلا يعوزنى شىء . رد نفسى . وهدانى إلى سبل البر هلليلويا
البولس ... رومية 9 : 15 – 29 اختيار الأمم أيضًاإذ أعلن الرسول حُبّه الشديد لخلاص بني جنسه وحزنه عليهم لأنهم رفضوا مواعيد الله الصادقة، مؤكدا أن كلمة الله لن تسقط، وإنما تتحقق الوعود في إسرائيل الروحي الجديد، بدأ يحدّثنا عن اختيار الله للأمم كشعبٍ له، وليس من حق الإنسان الاعتراض على تدابير الله وقضائه، مؤكدًا أن هذا الاختيار ليس بالأمر الجديد، إذ سبق فأعلن الله عنه بالأنبياء. "فماذا نقول؟ ألعلّ عند الله ظلمًا؟ حاشا" [14]. كأن اعتراضًا قد أثير بقوله أن الله أحب يعقوب وأبغض عيسو وهما بعد في البطن لم يعملا خيرًا أو شرًا، ألا وهو: ألعلّ عند الله ظلمًا؟ وتأتي الإجابة قاطعة لا تحتاج إلى تدليل: حاشا! لأننا لا نقدر أن ندرك كل أسرار حكم الله وتدبيراته من كل الجوانب، فحكمنا البشري مختلف تمامًا عن حكم الله. هنا يودّ الرسول أن يؤكّد مبدأ هامًا أن الله لا يحابي أحدًا ولا يظلم أحدًا، حتى وإن بدا لنا حسب الفكر البشري ذلك في أمر ما. بهذا يمهّد الرسول الطريق كي لا يحكموا على خطّة الله الخلاصيّة من جهة قبول الأمم، لا لسبب إلا إدراكنا أن الله ليس بظالم وإن بدا تصرفه غير مُدرك بالنسبة لنا. "لأنه يقول لموسى: إني أرحم من أرحم، وأتراءف على من أتراءف" [15]. تحقق هذا الحديث الإلهي مع موسى حين اشتاق أن يتمتّع بالمجد الإلهي (خر 33: 19 الترجمة السبيعينية)، وقد جاء هذا القول ليُعلن لموسى أنه مع كل تقدير الله له ولجهاده ولكن ما يناله من عطيّة سماوية ألا وهو التمتّع برؤية المجد الإلهي فهي نعمة مجّانية إلهية تُعطى له، وليس ثمنًا لجهاده، ولا عن أعمال ذاتية. لكنها أيضًا لا توهب للمتراخين أو الخاملين؛ هي نعمة مجّانية للمجاهدين بروح الإيمان الحيّ. ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن حديث الله هذا مع موسى يعني أن موسى مع ما بلغه من تقدير في عيني الله لا يقدر أن يدرك أعماق حكمة الله وأحكامه، وكأن الله يقول له: [يا موسى، ليس لك أن تعرف من هو مستحق لحبي نحو الإنسان، إنما اُترك هذا لي. فإن كان ليس من حق موسى أن يعرف فكم يكون الأمر بالنسبة لنا؟] هذا ويلاحظ أن الله لم يقل: "أرحم من أرحم، وأهلك من أهلك"، بل قال: "أرحم من أرحم وأتراءف على من أتراءف"، مظهرًا سلطانه الإلهي في الحب والرحمة والرأفة بالإنسان، إذ لا يودّ هلاك الخاطئ مثل أن يرجع ويتوب، أنه بادر بحب يعقوب من جانبه أمّا بغضة عيسو فجاءت ثمرًا طبيعيًا لجحود عيسو نفسه وإصراره وعناده على عدم قبول مراحم الله. الله حب، لكنه لا يلزم الغير بقبوله. "فإذًا ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل لله الذي يرحم" [16]. هل يتنافى هذا مع الوصيّة الرسولية: "تمّموا خلاصكم بخوف ورعدة" (في 2: 12) وما شابهها؟ إن كانت رحمة الله ليست لمن يشاء ولا لمن يسعى، فلماذا يقدم لنا الله وصاياه، ويطلب منّا أن نقبله بإرادتنا الحرة ومشيئتنا الاختيارية؟ ولماذا يحثّنا في العهدين القديم والجديد على الجهاد حتى النهاية، قائلاً: "الذي يصبر إلى المنتهي فهذا يخلص" (مت 10: 22، 24: 13؛ مر 13: 13)؟ وفي سفر الرؤيا يؤكّد الرب: "كن أمينًا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة" (رؤ 2: 10)، بل ويقول لملاك الكنيسة التي في ثياتيرا: "أنا عارف أعمالك ومحبتك وخدمتك وإيمانك وصبرك..." (رؤ 2: 19)؟ لا يستطيع أحد ممن يقرأ الكتاب المقدس بفهمٍ روحيٍ أن يتجاهل دور الإنسان الإيجابي في تمتّعه بالخلاص المجّاني، وإن الله يريد إرادتنا الحرة أو مشيئتنا الاختيارية مع سعينا الجاد، لأنه يقّدر الحرّية الإنسانيّة كل التقدير ولا يتجاهل دورنا العملي. إنما ما نودّ تأكيده هنا أن الكتاب المقدس لا يُفهم كأجزاء منفصلة مستقلّة عن بعضها البعض، إنما يمثل وحدة واحدة متكاملة، يعالج أمورًا كثيرة ومتباينة. لذا يليق بالقارئ أن ينعم بروح الحكمة والتمييز حتى لا يستخدم عبارة في غير موضعها، إنما فيما يناسبها وبروح الكتاب ككلٍ. فالرسول بولس هنا لا يعالج مشكلة حريّة الإرادة الإنسانيّة أو الاختيار والجبر، وإلا لأعلن بوضوح كما في نفس هذه الرسالة وفي رسائله الأخرى تقدير الله للإرادة البشريّة، والإجبار على قبول الرحمة الإلهية أو عمل النعمة المجّاني. إنما يعالج هنا مشكلة لا تخص الأفراد كأفراد وإنما تخص قبول الأمم، لذلك فهو لا يتحدّث عن إرادة الإنسان هل هي حرة أم لا، إنما عن خطّة الله نحو خلاص العالم كله. إن الله الذي سبق فاختار إسرائيل شعبًا له كخميرة لتقديس العالم بمجيء المخلص حسب الجسد منهم، من حقّه أن يرحم من يرحم ويتراءف على من يتراءف، بفتح باب الرجاء لكل الشعوب، دون أن تقف الجبلة الضعيفة لتحاكمه. يقول القدّيس جيروم: [من جانبنا نحن نقبل حريّة الإرادة هذه بسرور، لكنّنا لن ننسى أن نشكر العاطي، مدركين أننا نصير بلا قوّة ما لم يحفظ الله عطاياه فينا على الدوام... المشيئة هي منّا، والسعي أيضًا من جانبنا، لكن بدون معونة الله المستمرة لا تكون لنا مشيئة ولا سعي. يقول المخلص في الإنجيل: "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو 5: 17). أنه دائم العطاء، مانح باستمرار. لم يكتفِ بأن يهب النعمة مرة واحدة، إنما يقدّمها على الدوام. إنني أطلب لكي أنال، وإذ أنال أعود فأطلب ثانية، إذ أنا طامع في غنى الله وهو لا يمتنع عن العطاء، وأنا لا أكف عن الأخذ. كلما شربت عطشت، إذ اسمع تسبحة المرتّل: "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب" (مز 34: 8). كل صلاح نناله هو تذوق للرب.] كما يقول أيضًا: [حيث توجد النعمة فإنها لا توهب عن أعمال، بل هي عطيّة مجّانية من العاطي... ومع ذلك فلنا أن نشاء أو لا نشاء، إنما الحرّية عينها التي لنا هي مقدّمة لنا برحمة الله.] هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد أراد الرسول أن يربكهم بذات فكرهم، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنهم كانوا يقبلون رحمة الله لهم وسقوط فرعون تحت قسوته دون اعتراض من جانبهم، فلماذا يعترضون عندما يفتح باب رحمته لغيرهم؟ هذا ما دفع الرسول أن يكمل هكذا: "لأنه يقول الكتاب لفرعون إني لهذا بعينه أقمتك لكي أظهر فيك قوتي، ولكي ينادي باسمي في كل الأرض، فإذًا هو يرحم من يشاء ويقسي من يشاء. فستقول لي: لماذا يلوم بعد؟ لأن من يقاوم مشيئته! بل من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله؟ ألعل الجبلة تقول لجابلها: لماذا صنعتني هكذا؟ أم ليس للخراف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة واحدة إناءً للكرامة وآخر للهوان؟ فماذا إن كان الله وهو يريد أن يظهر غضبه ويبين قوته احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك؟ ولكي يبين غنى مجده على آنية رحمة قد سبق فأعدها للمجد التي أيضًا دعانا نحن إياها ليس من اليهود فقط، بل من الأمم أيضًا" [17-24]. ويلاحظ في هذا النص الآتي: أولاً: غاية هذا الحديث ليس تجاهل حرية الإنسان، الأمر الذي ليس موضع حديث الرسول هنا، إنما تأكيد دور الله في خلاصنا؛ إنه يعمل فينا لا عن استحقاق من جانبنا، وإنما عن حبه وفيض رحمته كنعمة مجانية. + بهذا يتكشف بجلاء أن نعمة الله ورحمته تعملان دومًا لأجل خيرنا، فإذا تركتنا نعمة الله لا تنفع كل الجهود العاملة شيئًا؛ مهما جاهد الإنسان بكل نشاط لا يقدر أن يصل إلى حالته الأولى بغير معونة الله. الأب دانيال+ في كل فضيلة إذ نشعر بتقدم فيها ننطق بكلمات الرسول: "لا أنا بل نعمة الله التي معي، بنعمة الله أنا ما أنا" (1 كو 15: 10)، "الله هو العامل فينا (فيكم) أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته" (في 2: 13). إذ يقول مقدم خلاصنا نفسه: "الذي يثبت فيّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كبير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5). كما قيل: "إن لم يبن الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون، وإن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يتعب الحراس" (مز 126: 1-2). القديس يوحنا كاسيان+ لنتحقق ماذا يعني هذا؟ إن الأمر ليس بخصوص من يشاء أو من يسعى، وإنما بخصوص الله الذي يرحم. فإن كنا لا نشاء ولا نسعى، فالله لا يأتي ليعيننا. فمن جانبنا يلزمنا أن نشاء وأن نسعى فيتراءف علينا، لكن إن نام المصارع يفقد النصرة. القديس جيروميرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذا الحديث الرسولي كان خطوة تمهيدية للسامع لكي يلين روحه المتعجرفة التي تنتقد خطة الله نحو خلاص الأمم، فقبل أن يكشف سرّ خطة الله أراد أن يؤكد للسامع أنه ليس من حقه أن يقف هكذا موقف الناقد أو الديان لله، وكأن الرسول يقول: [عملنا هو أن نخضع لما يفعله الله لا أن نكون متطفلين محبين للاستطلاع حتى وإن كنا لا نعرف حكمة تصرفاته. لذلك قال: "من أنت الذي تجاوب (ضد) الله"؟… من أنت؟ هل أنت شريكه في سلطانه (أي 38)؟ بل! هل تجلس لتدين الله؟… إنه لم يقل: "من أنت الذي تجاوب الله؟" بل "تجاوب ضد الله". أنظر كيف يرعبهم ويخيفهم فيجعلهم في رعدة عوض تساؤلهم وتطفلهم. هذا ما يفعله المعلم الممتاز الذي لا يجري وراء تخيلات تلاميذه الباطلة أيا كانت، إنما يقودهم إلى فكره بانتزاع الأشواك عنهم وغرس البذار، فلا يجيب في كل الحالات على الأسئلة التي تقدم له.] يقف غير المؤمن من الله موقف الناقد لكل تصرف إلهي، أما الإنسان التقي فيقول مع إرميا النبي: "أبرّ أنت يا رب من أن أخاصمك، لكن أكلمك من جهة أحكامك: لماذا تنجح طريق الأشرار؟" (إر 12: 1). يفرح الله ويسرّ بأولاده مشتاقًا أن يدخلوا معه في حوار، لكنه على أساس إيماني تقوي، حديث الابن الذي يتكئ على صدر أبيه لينهل منه أسرار أحكامه، ويتمتع بحكمته العلوية حتى وإن عاتبه أو خالفه أو حاججه. أما إن أخذ موقف الناقد العنيد، كما فعل بعض الفعلة مع صاحب الكرم حين أظهر الأخير كرمه ومحبته (مت 20: 1-16)، إذ قال للمتذمرين: "يا صاحب ما ظلمتك… فخذ الذي لك واذهب، فإني أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك، أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بمالي؟" يوجه الرب نفسه هذا التوبيخ لليهود الذين يرفضون رحمة الله على الأمم متذمرين على إحساناته بإخوتهم في البشرية. ثانيًا: يليق بالإنسان عوض أن يقف كناقدٍ لتصرفات الله الفائقة يطلب أن يملأه حكمة ومعرفة ليكتشف أمورًا عجيبة؛ ففي العهد القديم الذي يؤمن به اليهود ويفتخرون به جاء قول الله لفرعون: "إني لهذا أقمتك لكي أظهر فيك قوتي، ولكي ينادى باسمي في كل الأرض" [17] (خر 9: 16 الترجمة السبعينية)، فالله الذي رحم موسى سمح فأقام فرعون ملكًا، وأبقاه حيًا لكي يستخدم قسوة قلبه لإعلان مجد الله، وبسبب عنفه مع شعب الله يُنادي باسم الرب في كل الأرض، إذ جاء في تسبحة موسى: "يسمع الشعب فيرتعدون، تأخذ الرعدة سكان فلسطين، حينئذ يندهش أمراء أدوم، أقوياء موآب تأخذهم الرجفة، يذوب سكان كنعان" (خر 15: 14-15). اختار الله موسى دون فرعون، وكما قال الرسول: "فإذًا هو يرحم من يشاء، ويقسي من يشاء" [18]. ليس لنا أن نتساءل: لماذا رحم موسى وقسى قلب فرعون؟ لأن حكمة الله تفوق حكمتنا، إنما ما يمكننا أن نعرفه إن الله يعلم قلب موسى واشتياقه فسنده بنعمته ليتمجد فيه خلال الرحمة، أما بالنسبة لفرعون فكان قلبه قاسيًا (خر 8: 15، 32؛ 9: 34؛ 10: 6)، وإنما ما فعله الله أنه لم ينزع هذه القسوة عنه قسرًا، إنما رفع يده عنه فبقى فرعون في قسوة قلبه، أو بمعنى آخر سمح له أن يمارس عنفه ضد شعب الله ليتمجد الله حتى في هذا العنف الشرير. الله الذي سند موسى بالرحمة لم يمنع فرعون عما يكنه قلبه الشرير، فيكمل موسى كأس مجده ويكمل فرعون كأس شره، والله يتمجد بهذا وذاك. ثالثًا: اقتبس الرسول بولس من العهد القديم أيضًا الذي يقدسه اليهود مثال الفخاري (إر 18: 1-10) ليؤكد به أن الإنسان في علاقته بالله كالطين في يد الخزاف، وكالجبلة في يديّ جابلها، ليس له أن يعترض على تصرفات الله وحكمته، فمن حق الخزاف أن يصنع من كتلة واحدة إناءً للكرامة وآخر للهوان، وهو يتمجد في الإناءين. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم علي هذا المثال قائلاً: [لم يقل هذا لينزع حرية الإرادة وإنما ليظهر إلى أي مدى يجب أن نطيع الله، فإذ يُدعى الله خزافًا نكون نحن بالنسبة له كقليل طين مهيأ قدامه، فيليق بنا أن نكف لا عن المجادلة والتساؤلات فحسب، وإنما حتى عن النطق أو التفكير بالكلية... هذه هي النقطة الوحيدة التي يطبقها الرسول في التشبيه، إذ لا يُقصد به إعلان نظام الحياة (إذ يفسره الهراطقة أن الله يخلق طبيعتين صالحة وشريرة) إنما يقصد فقط الطاعة التامة والالتزام بالصمت... هذا ما يجب مراعاته في كل الأحوال عند استخدام التشبيهات، فلا نطبقها في كل النواحي، إنما نختار ما هو مناسب فيها، والذي لأجله قُدم التشبيه، ونترك الباقي... عندما يقول: "أم ليس للخراف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة وآخر للهوان؟" [21]، لا تظن أن الرسول قال هذا بخصوص الخليقة أنها مجبرة بلا حرية إرادة، إنما لمجرد إظهار السلطان وتدابير الله المتنوعة... فإن فسّرناه بغير هذا ندخل في أخطاء متنوعة، فلو أنه كان يتحدث هنا عن الإرادة، وأنه هو خالق الإرادة الصالحة والإرادة الشريرة لأعفى الإنسان من المسئولية، ويظهر بولس نفسه متناقضًا مع نفسه، إذًا يُقدم على الدوام تقديرًا عظيما لحرية الإرادة.] بمعنى آخر، يؤكد القديس الذهبي الفم أن الرسول يود أن يقدم جانبًا واحدًا من المثل وهو أن الله يعمل بنا ولا نقدر نحن إلا أن نطيع. لكنه لا ينزع عنا حرية إرادتنا، فإن أردنا الحياة معه يقوم هو بتغييرنا لمجد اسمه، بطريقة تفوق إدراكنا. هذا ويمكننا أن نقول إنه كخزافي قادر أن يشّكلنا، لكن لا يقف الأمر عند القدرة مجردة، إنما وهو القدير هو الأب والحكمة عينها، يعمل بحكمته وخلال أبوته مشتاقًا أن يشّكل كل الطين إلى أوانٍ للكرامة، لكنه يكرم حرية إرادتنا، وإذ نرفض عمله نبقى بلا كرامة ونفقد عمل يديه المقدستين للنفس والروح والجسد. إنه خزاف يتبنى آنيته ويحبها ويشتهي خلاص الكل، كما قيل: "الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1 تي 2: 4) ؛ "الله يُسّر بالرأفة" (مي 8: 18) ؛ "من يقبل إلىّ لا أخرجه خارجا" (يو 6: 37) ؛ "لا يُسر بموت الشرير، بل أن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا" (حز 33: 11). رابعًا: إن كان الله يتمجد في آنية الكرامة بإعلان عمل نعمته المجانية في حياة مؤمنيه المجاهدين، مشتاقًا أن يكون جميع البشر آنية كرامة، لكن إذ أصر البعض إلا أن يصيروا آنية للهوان، فحتى في هذا يتمجد الله، إذ يبرز غضبه وسخطه على الخطية، فيدين الخطاة بكونه القدوس الذي لا يقبل أن يشاركه الأشرار مجده المقدس [22]، ومن جانب آخر يتمجد بطول أناته على الإنسان [22]، فإن الله يحتمل الأشرار زمانًا ولا يعاقبهم فورًا بالرغم من تجديفاتهم ومقاومتهم لعمل الله. هذا ما قصده بقوله: "فماذا إن كان الله وهو يريد أن يظهر غضبه ويبين قوة احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك" [22]. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك بقوله: [ما يعنيه هو هذا: كان فرعون آنية غضب، أي كان إنسانًا قد ألهب غضب الله بقسوة قلبه. فبعدما تمتع بطول أناة كثيرة (من جهة الله نحوه) بقي بدون إصلاح، لهذا لم يدعه الرسول: "آنية غضب" فحسب وإنما أيضا: "مهيأة للهلاك". بمعنى أنه هيأ نفسه بنفسه للهلاك التام. الله لم يتركه محتاجًا إلى الأمور التي تشفيه كما لم ينزع عنه الأمور التي تهلكه، لذا فهو بلا عذر.إذ يعرف الله ذلك، احتمله بأناة كثيرة ليرده للتوبة. فلو لم يود توبته لما احتمله بأناة كثيرة، أما كونه لم ينتفع بالأناة الكثيرة للتوبة بل هيأ نفسه بالأكثر للهلاك، استخدمه الله وسيلة لإصلاح الغير بمعاقبته فيصلحون هم من حالهم؛ بهذا بيّن الله قوته. لكن ليست رغبة الله إظهار قوته، إنما يود أن يظهر حنوه بكل طرق ممكنة. إن كان بولس لا يود أن يظهر قوته بهذه الطريقة، إذ يقول: "ليس لكي نظهر نحن مزكين، بل لكي تصنعوا أنتم حسنًا" (2 كو 13: 7) فكم بالأكثر يكون الله نفسه؟ لكن إذ يطيل الله أناته كثيرًا ليقوده إلى التوبة ولم يتب الإنسان يحتمله الله زمانًا طويلاً لكي يظهر أولاً صلاحه وقوته حتى وإن كان الإنسان لم يضع في ذهنه أن ينتفع شيئًا من طول أناة الله العظيمة. عندئذ يظهر الله قوته بعقاب هذا الإنسان الذي لا يقبل الشفاء، وذلك كما يبيّن حبه للإنسان خلال رحمته نحو الذين ارتكبوا خطايا كثيرة وتابوا. لا يقال: "يبيّن حبه" بل "مجده" [23]، ليظهر أن هذا الحب هو مجد الله على وجه الخصوص، الأمر الذي يغير الله أكثر من كل شيء. بقوله "قد سبق فأعدها للمجد" [23]، لا يعني أن كل شيء هو عمل الله وحده، لأنه لو كان الأمر كذلك لما وُجد ما يمنع من خلاص كل البشر… فإن كان فرعون قد صار آنية غضب بسبب انحطاطه، فإن هؤلاء (اليهود) قد صاروا آنية رحمة باستعدادهم للطاعة. وإن كان الجانب الأعظم للعمل هو من قبل الله، لكنهم ساهموا بالقليل، ومع ذلك لم يقل أنها: "آنية العمل الصالح"… بل "آنية رحمة" ليظهر أن الله هو الكل.] خامسًا: إذ أبرز الرسول أنه ليس من حقهم نقد خطة الله بسبب عجزهم عن إدراك حكمته الإلهية كما ينبغي، مظهرًا حق الله في اختيار الأمم كما سبق فاختار اليهود، لا يغلق الباب عن كل يهودي إنما عن الشعب اليهودي ككل، كما لا يعني انفتاح الباب للأمم خلاص كل أممي… إذ يقول: "التي أيضا دعانا نحن إياها ليس من اليهود فقط بل من الأمم أيضًا" [24]. هكذا توصل الرسول لا إلى دعوة الأمم دون هياج اليهود عليه فحسب، وإنما إلى فتح باب محبة الله لكل إنسانٍ، يهوديًا كان أمميًا، حتى وإن جحد اليهود كأمة السيد المسيح. تعثر إسرائيلإذ سبق فقدم الرسول ردودًا على انتقاد اليهود لفتح باب الدعوة للأمم دون أن يجرح مشاعر اليهود ختم حديثه بتقديم الدلائل من الأنبياء أنفسهم، فاختار بعض العبارات التي تعلن تعثر اليهود في الإيمان وقبول الأمم له؛ هنا يتحدث بلا تحرج لأنه يقتبس عبارات نبوية يؤمنون بها، إذ يقول: "كما يقول في هوشع أيضًا سأدعو الذي ليس شعبي شعبي، والتي ليست محبوبة محبوبة، ويكون في الموضع الذي قيل لهم فيه لستم شعبي أنه هناك يدُعون أبناء الله الحيّ" [25-26]. اقتبس الرسول هذه العبارات عن (هو 2: 23؛ 1: 10) (الترجمة السبعينية)، مقدمًا النبي هوشع شاهدًا لأقواله إن الأمم الذين كانوا ليسوا شعب الله ولا محبوبين لديه خارج المقدسات صاروا شعب الله والمحبوبين لديه وأبناءه! كأن ما يتم في العصر الرسولي ليس بالأمر الغريب، إذ سبق فأعلنه الله لأنبيائه ليمهدوا لتحقيق خطته الإلهية من جهة خلاص الأمم والشعوب. يقول القديس إيريناؤس: [دعا النبي أسماء أولاده لورحامة "ليس لهم رحمة"، ولوعمي "ليس شعبي" (هو 1) … حتى أنه كما يقول الرسول "سأدعو الذي ليس شعبي شعبي، والتي ليست محبوبة (بلا رحمة) محبوبة، ويكون في الموضع الذي قيل فيه لستم شعبي أنه هناك يُدعون أبناء الله الحيّ". فما حدث كرمز خلال أعمال النبي يؤكد الرسول أنه يتم حقًا بالمسيح في الكنيسة. هكذا أيضا اتخذ موسى أثيوبية زوجة له… مظهرًا أن الزيتونة البرية قد طُعمت في الزيتونة الأصلية وتشترك معها في ثمارها. فبزواجه من الأثيوبية أعلن عن ظهور الكنيسة من بين الأمم، والذين يستخفون بها ويتهمونها ويستهزئون بها يمتلئون برصًا، ولا يكونوا أطهارًا، ويستبعدون من خيمة البرّ (عد 12). هكذا أيضًا بالنسبة لراحاب الزانية، التي تدين نفسها بكونها من الأمم مملوءة من كل الشرور، لكنها تقبلت الجواسيس الذين كانوا يتجسسون الأرض وخبأتهم في بيتها، وعندما تحطمت كل المدينة التي كانت تعيش فيها عند سماع الأبواق السبعة حُفظت راحاب الزانية مع كل بيتها بالإيمان بعلامة القرمز (يش 6: 22)، وكما أعلن الرب للفريسيين عن الذين يقبلون مجيئه، إذ قال: "العشارون والخطاة يسبقونكم إلى ملكوت السماوات" (مت 21: 31).] لم يكتفِ الرسول بهذا بل قدم إشعياء النبي الذي جاء في نبوته متناغمًا معه، إذ يقول: "وإشعياء يصرخ من جهة إسرائيل، وإن كان عدد بني إسرائيل كرمل البحر فالبقية ستخلص، لأنه متمم أمر وقاض بالبرِّ، لأن الرب يصنع أمرًا مقضيًا به على الأرض" [27-28]. جاء هذا القول في إشعياء (10: 22-23 الترجمة السبعينية) وكان يحمل نبوة عن المسبيين، إذ كانوا كثيرين جدًا بالنسبة للقلة القليلة التي تنجو من الأسر… وقد سمح الله بذلك بل وقضى بهذا التأديب لأجل البرّ. طبّق الرسول هذه النبوة بصورة أشمل على العصر المسياني حيث يؤسر عدد كبير جدًا من اليهود تحت الجحود رافضين الإيمان المسياني، وقليلون هم الذين يخلصون بقبولهم المسيّا المخلص، وقد سمح الله بذلك لأجل البرّ، ليفتح الباب للأمم. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا القول الرسولي، هكذا: [إنه يعني: أنا لا أهتم بالجمع (بالعدد الضخم)، ولا أتأثر بالجنس (اليهود) وإنما أخلص من يتقدمون كمستحقين للخلاص. أنه لم يذكر "كرمل البحر" بلا سبب. إنما يذكرهم بالوعد القديم (تك 22: 17؛ 32: 12) الذي جعلوا أنفسهم غير أهلٍ له. لماذا ترتبكون إذن إن كان الوعد لا يتحقق (للكل) إذ أظهر كل الأنبياء أنه ليس الجميع يخلصون؟ عندئذ يظهر الرسول أيضا طريق الخلاص... "لأنه متمم أمر وقاض (بسرعة) بالبر، لأن الرب يصنع أمرًا مقضيًا به (سريعًا) على الأرض" [28]... هذا الأمر هو الإيمان الذي يحمل خلاصًا في كلمات قليلة: "لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت" (رو 10: 9). ها أنتم ترون أن الرب متمم كلمة قليلة على الأرض، والعجيب أن هذه الكلمة القليلة لا تحمل خلاصًا فحسب بل وبرًا.] بمعنى آخر إن كان إسرائيل قد صار ذا باعٍ طويلٍ في أعمال الناموس الحرفية وشكليات العبادة لكن الرب في ملء الزمان صنع أمرًا مقضيًا به أو أمرًا عاجلاً، مركزًا حول الإيمان بالمخلص، الذي ينقذ المؤمنين به وإن كانوا قلة من اليهود. هذه القلة تنبأ عنها إشعياء أيضًا (إش 1: 9): "لولا أن رب الجنود أبقى لنا نسلا لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة" [29]. كأن ما حدث في العصر الرسولي سبق فحدث في عصر إشعياء، إذ قليلون هم الذين عاشوا في الإيمان فخلصوا من الهلاك، بدونهم تعرض إسرائيل كله للإبادة بالنار كما حدث لسدوم وعمورة (تك 19). أخيرًا يخرج الرسول بهذه النتيجة: "فماذا نقول؟ إن الأمم الذين لم يسعوا في إثر البرّ، أدركوا البرّ، البرّ الذي بالإيمان، ولكن إسرائيل وهو يسعى في أثر ناموس البرّ لم يدرك ناموس البرّ. لماذا؟ لأنه فعل ذلك ليس بالإيمان، بل كأنه بأعمال الناموس، فإنهم اصطدموا بحجر الصدمة، كما هو مكتوب: ها أنا أضع في صهيون حجر صدمة وصخرة عثرة وكل من يؤمن به لا يخزى" [30-33]. هذه هي النتيجة النهائية أن الأمم الذين لم ينالوا المواعيد، ولا استلموا الشريعة ولم تكن لهم معرفة إلهية قبل الكرازة بالإنجيل لم يسعوا في إثر البرّ، ولكن إذ جاءتهم الكرازة أدركوا البرّ الذي حسب الإيمان بالمسيح يسوع، أما إسرائيل الذي له ميزات كثيرة فإذ سعى في إثر ناموس البرّ لكن خلال حرفية أعمال الناموس دون روحها، فقدوا الإيمان، واصطدموا بالسيد المسيح "حجر الصدمة"، وتحقق فيهم القول النبوي: "ويكون مقدسًا وحجر الصدمة وصخرة عثرة لبيتي إسرائيل، وفخًا وشركًا لسكان أورشليم" (إش 8: 14)… كما تحقق في الأمم القابلين للإيمان: "هاأنذا أؤسس في صهيون حجرًا، حجر امتحان، حجر زاوية كريمًا، أساسًا مؤسسًا، من آمن لا يهرب" (إش 28: 16). + + + الأبركسيس ... أعمال 5 : 34 – 42 موقف غمالائيل"فلما سمعوا حنقوا، وجعلوا يتشاورون أن يقتلوهم". [33] إذ سمعوا خطاب الدفاع الذي ألقاه القديس بطرس لم يكن لديهم ما يجيبون عليهم، لكنهم "حنقوا وجعلوا يتشاورون أن يقتلوهم" [33]. وقعت الكلمات عليهم كالصاعقة، فامتلأت قلوبهم حنقًا عليهم، وصاروا يتشاورون. غالبًا ما كانوا يستعينون بالفريسيين بكونهم العلماء أصحاب المشورة لا لفحص كلمات الدفاع، وإنما كانت للتخطيط لقتلهم رجمًا. لقد أثارهم الخطاب في النقاط التالية: 1. اتهام مجمع السنهدرين أن ما يصدره ضد إرادة الله، وأن الرسل ملتزمون بالطاعة لله لا الناس. 2. اتهام أعضاء المجمع أنهم قتلة، وسافكو دم برئ. 3. أن المصلوب هو الرئيس والمخلص، المسيا الذي ترقبته الأجيال. 4. أنه واهب التوبة لإسرائيل المحتاج إلى التوبة، وأنه غافر الخطية. 5. أن الرسل شهود لأعمال الله الخلاصية. 6. أن الروح القدس يشهد ويعمل في المؤمنين الطائعين. 7. أخيرًا فإن الصدوقيين صاروا في خطرٍ، حيث تأكد الكل من القيامة من الأموات، التعليم الذي ينكروه تمامًا. فمع قصر الخطاب جدًا لكنه أشبه بسهمٍ قاتلٍ، ملقى بمهارة فائقة في قلب مجمع السنهدرين، لم يكن أمام المجمع سوى قبول الإيمان بالسيد المسيح أو الخلاص من رسله بقتلهم. "فقام في المجمع رجل فريسي اسمه غمالائيل معلم للناموس، مُكرّم عند جميع الشعب، وأمر أن يخرج الرسل قليلاً". [34] كان جناح الصدوقيين في ثورة عارمة ضد الرسل، ففي أذهانهم لا يمكن حسم الأمر إلا بقتل الرسل. لكن مع أنهم يمثلون الأغلبية في مجمع السنهدرين إلا أنهم كانوا في حاجة إلى كسب الفريسيين في صفهم. يقول يوسيفوس إن فريق الفريسيين في المجمع كان قليلاً من جهة العدد، لكن لهم شعبيتهم وتأثيرهم القوي على الشعب. لهذا لم يكن ممكنًا للصدوقيين أن يأخذوا قرارًا ولو بأغلبية المجمع ما لم يوافق عليه غالبية الفريسيين. شعر الفريسي غمالائيل معلم الناموس، وهو الابن الأكبر لهلليل الكبير، ومعلم شاول الطرسوسي (أع 22: 3)، ويُقال أنه ابن سمعان الشيخ الذي حمل الطفل يسوع على ذراعيه في الهيكل، أن موقف المجمع أشبه بمحاربة الله نفسه. لعله قبل داخليًا دفاع القديس بطرس. قيل أنه آمن بالسيد المسيح مع نيقوديموس ومع ابنه على يدي القديسين بطرس ويوحنا، وأنه بقي مسيحيًا في الخفاء. غير أن بعض الدارسين يرون أنه أخذ هذا الموقف ليس اقتناعًا بما سمعه، وإنما لأنه كان يحمل فكرًا متحررًا، فلا يؤمن باستخدام العنف في الدين. + "فرّيسي" اسم معناه "الذين يميّزون (يعزلون) أنفسهم (كمكرّسين للَّه). لقد تبعوا طريقة حياة حسبوها أفضل حياة. حسبوا طريقهم أسمى من كل الآخرين، يركّزون على القيامة، ووجود الملائكة، وعلى قداسة الحياة. اتّبعوا حياة صارمة، ومارسوا النسك والامتناع عن العلاقات الجنسيّة في فترات معيّنة، وكانوا يصومون يومين في الأسبوع. كانوا يغسلون قدورهم وأطباقهم وكؤوسهم بطقوسٍ معيّنة، كما يفعل الكتبة، ويقدّمون العشور والبكور، ويكرّرون صلوات كثيرة. الأب يوحنا الدمشقي"ثم قال لهم: أيها الرجال الإسرائيليون، احترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس، في ما أنتم مزمعون أن تفعلوا". [35] "لأنه قبل هذه الأيام قام ثوداس قائلاً عن نفسه أنه شيء، الذي التصق به عدد من الرجال نحو أربع مائة، الذي قُتل، وجميع الذين أنقادوا إليه تبدّدوا، وصاروا لا شيء". [36] لم نعرف شيئًا عن ثوداس سوى ما ورد هنا، وهو حتمًا غير ثوداس الوارد في يوسيفوس الذي قام في أيام فادوس Fadus الوكيل على اليهودية في عهد الإمبراطور كلاديوس Claudius (45 أو 46م)، الذي اجتذب كثيرين وذهب معهم إلى نهر الأردن، مدعيًا النبوة، وأنه يشق النهر ليعبروا فيه. انقض عليهم فادوس وقتل كثيرين، ثم أخذ ثوداس إلى أورشليم حيث قطع رقبته. هذا تم بعد عشرة أو خمسة عشر عامًا بعد حديث غمالائيل الوارد هنا. يرى لايتفوت أن يوسيفوس أخطأ في تأريخ ثيوداس، وأن ما ورد فيه هو ذات الرجل الذي تحدث عنه غمالائيل. يرى البعض أن كلاًً من لوقا البشير ويوسيفوس صادقان، لأنهما مؤرخان مدققان، وأن اسم ثوداس كان شائعًا في ذلك الحين، وليس بمستبعدٍ ظهور شخصين بذات الاسم قاما بالثورة أحدهما يلي الآخر بعد هذا الزمن. وأن شخصية مثل غمالائيل لا يمكن أن تشير إلى حدث كهذا في مجمع السنهدرين لو لم يكن الأمر أكيدًا ومعروفًا لدى أعضاء المجمع. هذا ويبدو أن الثورات كانت كثيرة للغاية في منطقة اليهودية كما أشار يوسيفوس. أما قوله: "قائلاً عن نفسه شيئًا"، فيعني أنه ادعى بأنه بارز أو المسيا المنتظر. "بعد هذا قام يهوذا الجليلي في أيام الاكتتاب، وأزاغ وراءه شعبًا غفيرًا، فذاك أيضًا هلك، وجميع الذين انقادوا إليه تشتتوا". [37] يهوذا الجليلي: كان ينادي بعدم دفع الجزية للرومان، وقد قام الرومان بسحقه هو وأتباعه. لكن ورث جماعة الغيورين تعليمه، وحاولوا الإيقاع بالسيد المسيح بسؤاله عن دفع الجزية (مر 12: 13-17). وقد قاموا بثورةٍ فيما بعد ضد الرومان، لكن الرومان تحت قيادة تيطس دخلوا أورشليم، وأحرقوا الهيكل، وبددوا الأمة اليهودية. "والآن أقول لكم: تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم، لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض". [38] "وإن كان من اللَّه، فلا تقدرون أن تنقضوه، لئلاّ تُوجدوا محاربين للَّه أيضًا". [39] طالب كبير معلمي الناموس بترك الرسل، مقدمًا لهم مثلين عمليين وهما ظهور ثوداس ويهوذا الجليلي، وكيف التف حولهما البعض، ولكن لأن الأمر لم يكن حسب فكر الله فشلا. لقد أعلن غمالائيل بطريقة خفية عن حالة إفلاس مجمع السنهدرين والمشيخة في كل إسرائيل من جهة معرفة الله، وعجزهم عن التمييز بين ما هو حسب فكر الله، وما هو حسب فكر الناس. عندما عزل هيرودس أرخيلاوس Archelaus ، أحد أبناء هيرودس الكبير (مت2: 1، 22) من حكم اليهودية، صارت الدولة يديرها حاكم روماني؛ نادى يهوذا الجليلى بالامتناع عن دفع الجزية للرومان، فأثار مشاعر الشعب الدينية والوطنية للثورة العنيفة. أعلن أن الله وحده هو ملك إسرائيل، وهو وحده له الحق أن يملك على الشعب اليهودي. تحدث عنه يوسيفوس ودعاه "الجليلي Galilean ، وفي موضع آخر دعاه أنه من مدينة جمالا Gamala. ذكر يوسيفوس أن الحاكم الروماني هو Cyrenius سناتور(عضو مجلس للشيوخ) روماني، جاء إلى سوريا ليحكم تلك الأمة، ويهتم بشأنها. يقول يوسيفوس أنه جاء إلى اليهودية التي أضيفت إليه مع سوريا ليدبر أمورها، وأنه وضع أموال أرخيلاوس تحت تصرفه. فأخذ يهوذا صادوق Saddoak وهو فريسي غيور، ونادى الاثنان بأن دفع الجزية ليس إلا مدخلاً للعبودية، وطالب الأمة بأن تدافع عن حريتها. وأن هذه الثورة فتحت بابًا للثورات متعددة لم تنقطع حتى تم تدمير المدينة والهيكل والأمة نفسها. على أي الأحوال لم يعطِ غمالائيل المجمع فرصة مراجعة قرارهم السابق بخصوص تسليم السيد المسيح للصلب. لم يطلب منهم أن يبحثوا عن الحق. لكن من الواضح أن غمالائيل كان قد وضع في قلبه وجال في فكره احتمال أن هذه الحركة التي يقوم بها الرسل هي من الله، لكنها فكرة تتردد عليه، ولم يكن بعد قد اقتنع بها تمامًا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن ما قاله غمالائيل هنا سبق فأعلنه السيد المسيح: "لا يقدر إنسان أن يأخذ شيئًا إن لم يكن قد أُعطي من السماء" (يو 3: 27). فإن هؤلاء كانوا يحاولون المستحيل وسيُوجدون محاربين لله. حسنًا، لكن ألم يأخذ ثيوداس وأتباعه شيئًا من أنفسهم؟ لقد أخذوا، ولكن للحال تشتتوا وهلكوا، وهذا ليس حال المسيح. قدم غمالائيل رأيًا سديدًا مملوء حكمة وهو: 1- أن مقاومة الحركة الشعبية أمر غير حكيم، يدفع الناس إلى العناد وعدم التفكير في الأمر في تروٍ وتعقلٍ. 2- ترك الخطأ وتجاهله إلى حين غالبًا ما يقضي عليه. 3- أن الإيمان بيسوع المسيح يحتاج لا إلى المقاومة بتعصبٍ وحماسٍ دون دراسة وتعرف إن كان الأمر من الله أم من الناس. 4- يطالبهم بالثقة في الله حافظ الإيمان، وفي عنايته بشعبه، فإن سُلم بين يديه يعلن الحق. 5- خشي لئلا يسقط المجمع في مقاومة الله نفسه وهو لا يدري، فتكون غيرتهم باطلة. أراد أن ينصحهم بالعدول عن رأيهم باعتبار أن هذا الأمر مستحيل (إن كانوا يقاومون ما هو من الله)، وفي نفس الوقت ليس لصالحهم. القديس يوحنا الذهبي الفم"فانقادوا إليه، ودعوا الرسل وجلدوهم، وأوصوهم أن لا يتكلّموا باسم يسوع، ثم أطلقوهم". [40] لقد أعمى الشيطان أعين قضاة إسرائيل عن فحص قضية يسوع المسيح المصلوب. ولعلهم في داخلهم كانوا يشعرون مع غمالائيل أنهم يحاربون الله، يقاومون الحق ويرفضون الخلاص. على أي الأحوال اقتنع المجمع بعدم قتل الرسل، لكن الغيرة التي ملأت قلوبهم جعلتهم يصرون على ضربهم أو جلدهم مع إصدار أمر ألا يتكلموا باسم يسوع. اخذوا بمشورة غمالائيل جزئيًا، خشية أن يفقدوا مهابتهم وسلطانهم أمام الشعب. ٦ - كلمة الله لا تُقيد"وأمّا هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع، لأنهم حُسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه". [41] ظن أعضاء المجمع أن الرسل لن يعودوا للظهور أمام الشعب بعد أن حلّ بهم عار الجلد، وأنهم يصيروا في خزي. فقد كان الجلد يمثل عارًا وامتهانا لآدمية الإنسان، أما بالنسبة للرسل فحسبوه كرامة ومجدًا، لأن فيه شركة في آلام السيد المسيح وصلبه. كان الدم المتفجر من أجسامهم متعة الاصطباغ، حتى يترنموا: "من أجلك نُمات كل النهار" (رو 8: 36). "لقد جلدوهم"، هذه ضريبة هينة للغاية من أجل الشهادة للحق. تحولت آلام الجلد التي لا تُحتمل إلى فرحٍ وشعورٍ بالكرامة في المسيح يسوع. هذا ليس عملاً بشريًا، إنما هو عمل الروح القدس فيهم الذي يسمح للمؤمنين أن يشربوا من ذات الكأس التي قبلها ربنا يسوع من أبيه! خرج التلاميذ يكرزون بالفرح الروحي في الرب: "فرحين في الرجاء، صابرين في الضيق". (رو 12: 12) + إن كان الطريق ضيقًا وصعبًا فكيف يكون: "نيري هين وحملى خفيف"؟ إنه صعب بسبب طبيعة التجارب، لكنه هين بسبب رضى المسافرين. فإنه يمكن حتى بالنسبة لما هو غير محتمل بالطبيعة أن يصير خفيفًا عندما نتقبله بشغفٍ. تذكروا أن الرسل الذين جَُلدوا رجعوا فرحين أنهم حسبوا أهًلا أن يهانوا من أجل اسم الرب. القديس يوحنا ذهبى الفم لماذا لا يزال يُهان الرسل؟1. لأن يسوع المسيح موضوع كرازتهم هو نفسه مُحتقر ومرذول. 2. وصاياه تُقاوِم الملذّات العالميّة والرجاسات. 3. يظن البعض أن دعوة ربّنا يسوع المسيح السماوي ترفع القلب والفكر إلى السماء، فيعيش الإنسان كغريبٍ على الأرض، لا يمارس الحياة العمليّة الواقعيّة، ممّا يسبب له فشلاً. 4. روح الإيمان من حب وتواضع ووداعة وبذل وعطاء يناقض روح العالم من اعتداد بالذات وحب السلطة والانتقام. 5. الإيمان المسيحي دعوة للحياة الجادّة، خاصة في العبادة من حِملٍ للصليب وأصوامٍ ومطانيات وأسهار. لماذا فرح الرسل؟ 1. صاروا على شبه ربنا يسوع الذي جُلد وأُهين من أجل المحبة (في3:10؛ كو 1: 24؛ 1 بط 4: 13). إنهم شركاء السيد المسيح في آلامه. 2. حسبوا الآلام شهادة حية أنهم صاروا تلاميذ المسيح وأتباعه ومحبيه الأعزاء لديه، يشاركونه أتعابه. 3. تحقق فيهم ما سبق فوعدهم به السيد نفسه. 4. إنها آلام خفيفة، لا تقارن بالمجد العتيد أن يُستعلن (مر 10: 30). 5. إنه ليس من أمرٍ يخجل الإنسان ويجعله في عار سوى الخطية. "وكانوا لا يزالون كل يوم في الهيكل وفي البيوت، معلِّمين ومبشرين بيسوع المسيح". [42] حوّل الروح القدس الآلام إلى فرحٍ في الرب، هذا الذي قيل عنه: "فرح الرب هو قوتكم" (نح 8: 10). نالوا قوة وشجاعة للشهادة للحق كل يوم في الهيكل كما في البيوت. صارت حياتهم رحلة مستمرة للتعليم والتبشير بيسوع المسيح. اهتموا بالتعليم حيث كُتبت أسفار العهد الجديد بإعلان الروح القدس، ونظمت العبادة والتدبير الكنسي، فظهرت بعض الكتابات التي ترجع إلي عصر الرسل مثل الديداكية وقد سبق لي ترجمتها والتعليق عليها.
من وحي أعمال الرسل ٥ لتكرس قلبي كله لك! + ترتعب نفسي في داخلي، لئلا أحمل روح حنانيا وسفيرة. باعا ملكًا لهما، لكي يُقدما كل الثمن لك. لم تكن محتاجًا إلى مالهما، لكنك حسبت ما قدماه قدسًا لك. اعتديا على المال، فاعتديا على المقدسات. فجأة ماتا جسديًا، إعلانًا عن موتهما داخليًا! + ها أنا أكرس حياتي كلها لك! نفسي وجسدي بكل طاقاتهما! مواهبي ووقتي وكل ما لي هو لك. هب لي أن أكون أمينًا، فلا أعتدي على مقدساتك! ليكن حتى أكلي وشربي ونومي لمجدك! لأحمل رائحتك الزكية، فلا يكون للدنس موضع فيّ! قدسني بالتمام، وكرِّس قلبي كله لك، يا أيها القدوس. + ليمت حنانيا وسفيرة اللذان في قلبي! ولتسمر خوفك المقدس في أعماقي، فأصير شاهدًا لك أمام الجميع! + هب لي روحك القدوس يحول كياني إلى عجبٍ! فيتقدس كياني كله، وأصير آلة برّ لحساب ملكوتك. + ليهج الأشرار العاملون لحساب مملكة الظلمة. فالفساد يتبدد أمام عدم الفساد، والظلمة لا وجود لها في ظهور النور! + ترسل لي ملائكتك لحراستي، وتفجر متاريس السجن والهاوية. تقيمني في كل يومٍ كما من القبر. تهبني روح القوة، فأتمم إرادتك. تحول ضيقاتي إلى مصدر فرح وبهجة. وتتحول حياتي كلها إلى شهادة لعملك الإلهي!
+ + + مزمور إنجيل القداس : انظر إلى وارحمنى . لأنى ابن وحيد وفقير أنا . أحزان قلبى قد كثرت
إنجيل القداس : لوقا 12 : 41 – 50
41 فقال له بطرس يا رب النا تقول هذا المثل ام للجميع ايضا القطيع الجديد والأمانة علي الوكالةسحب السيِّد قلب قطيعه إليه ليترقب مجيئه الأخير، فيتمتع القطيع الجديد بملكوت الله. الآن يعلن السيِّد المسيح لقطيعه الإلتزام بالأمانة حتى يكون له نصيب في هذا الملكوت. "فقال له بطرس: يا رب ألنا تقول هذا المثل أم للجميع أيضًا؟ فقال الرب: فمن هو الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيِّده علي خدمه ليعطيهم العلوفة في حينها؟" [41-42]. إذ سمع القدِّيس بطرس المثل الخاص بيوم مجيء الرب والذي فيه يعلن السيِّد مجيئه فجأة، سائلاً إياهم السهر واليقظة والترقب لهذا المجيء، سأل القدِّيس بطرس سيِّده أن كان هذا المثل خاص بالتلاميذ وحدهم أم عام للكل؟ لعل القدِّيس بطرس تساءل في أعماق نفسه: ماذا يقصد السيِّد بقوله "أولئك العبيد"؟ ألعله يقصد التلاميذ الذين يؤتمنون علي "بيت الله" كخدام ورعاة حتى يأتي "رب البيت"، أم يقصد بهم كل مؤمن بكونه قد أؤتمن علي حياته كبيت الله كخادم وراعٍ للجسد والنفس والطاقات والمواهب وكل الإمكانيات لتعمل معًا لحساب رب البيت، السيِّد المسيح نفسه؟ جاءت إجابة السيِّد: "فمن هو الوكيل الأمين الحكيم، الذي يقيمه سيِّده علي خدمه، ليعطيهم العلوفة في حينها؟" [42]. وكما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم لم يقدَّم ربَّنا هذا السؤال لأنه يجهل من هم مؤمنين ووكلاء حكماء، إنما أراد أن يكشف عن ندرة وجودهم خاصة لكي يؤتمنوا علي خدمة الكنيسة. + من يُوجد أمينًا ووكيلاً حكيمًا فليتسلم تدبير بيت الرب ليعطي العلوفة (نصيبهم في الطعام) في حينها، الذي هو كلمة التعليم المغذي لنفوسهم، أو القدرة العملية التي تشكّل حياتهم. ( الأب ثيؤفلاكتيوس ) + لقد سام المخلِّص الرسل كوكلاء علي خدمه، أي على أولئك الذين رُبحوا بالإيمان لمعرفة مجده - أناس أمناء وذو فهم عظيم، مثقفون حسنًا بالتعليم المقدَّس. لقد سامهم، آمرًا إياهم أن يقدَّموا الطعام المسموح به، ليس بدون تمييز، وإنما في حينه. أقصد الطعام الروحي الذي يقدَّم بما يليق بكل فرد وما يشبعه. فإنه لا يليق تقديم التعليمات في كل النقاط بطريقة واحدة لكل الذين يؤمنون بالمسيح، إذ كُتب: "معرفة اعرف نفوس غنمك" (أم 27: 23). فعندما نقدَّم طرق الحق لإنسان صار تلميذًا حديثًا نستخدم معه التعليم البسيط الذي لا يحمل أمرًا يصعب فهمه أو إدراكه... الأمر الذي يختلف تمامًا عن الطريق الذي نستخدمه في تهذيب الذين ثبتوا بالأكثر في الفكر والقادرون علي إدراك العلو والعمق والطول والعرض لمفاهيم اللاهوت السامي، وكما سبق فقلنا: "الطعام القوي فللبالغين" (عب 5: 14). ( القدِّيس كيرلس الكبير ) مجىء السيِّد يفرز الوكلاء الأمناء والحكماء من الوكلاء المتهاونين العنفاء والعاملين لحساب بطولتهم لا لحساب موكلهم، إذ يقول: "طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيِّده يفعل هكذا. بالحق أقول لكم أنه يقيمه علي جميع أمواله. ولكن أن قال ذلك العبد في قلبه سيدي يبطىء قدومه، فيبتدىء يضرب الغلمان والجواري ويأكل ويشرب ويسكر. يأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره، وفي ساعة لا يعرفها، فيقطعه ويجعل نصيبه مع الخائنين" [43-46]. + من يعطي الخدم رفقاءه نصيبهم من الطعام بحكمة في حينه حسب احتياجهم يكون مطوّبًا جدّا كقول المخلِّص، إذ يُحسب أهلاٍ لأمور أعظم، ويتقبل مكافأة تليق بأمانته... هذا ما علمنا إيَّاه المخلِّص في موضع آخر حين مدح العبد العامل والأمين، قائلاً: "نعمًا أيها العبد الصالح والأمين، كنت أمينًا في القليل فأقيمك علي الكثير، أدخل إلي فرح سيدك" (مت 25: 21). أما أن أهمل واجبه فلم يكن مجتهدًا ولا أمينًا، مستخفًا بالسهر علي هذه الأمور كأنها تافهة، يترك ذهنه يرتبك بالاهتمامات الأرضية، ويفسده بأمور غير لائقة، فيستخدم العنف والقسوة مع الخاضعين تحته، ولا يقدَّم لهم نصيبهم، فسيكون في بؤس مطبق. فإن هذا هو معنى أنه "يقطعه"، كما أظن، "ويجعل نصيبه مع الخائنين". فإن من يسيء إلي مجد المسيح أو يتجاسر فيستهين بالقطيع الموكل إليه لا يختلف عن الذين لا يعرفون المسيح، ويُحسب هؤلاء مع الذين لا يحبُّونه. فإن المسيح قال للطوباوي بطرس: "يا سمعان بن يونا أتحبني؟ ارع خرافي، ارع غنم" (يو 21: 15-16). فمن يرعى غنمه إنما يحبها، ومن يهملها ويترك رعاية الخراف الموكل بها إليه يبغضها. وإن كان يبغضها فسيُعاقب ويحسب مع غير المؤمنين. ( القدِّيس كيرلس الكبير ) + "يقيمه علي جميع أمواله" [44]، ليس فقط علي بيته، وإنما علي الأمور الأرضية كما السماويَّة فتطيعه. وذلك كما حدث مع يشوع بن نون وإيليا، واحد أمر الشمس، والآخر أمر السحب؛ وكل القدِّيسين كأصدقاء لله استخدموا ما لله. من يعبر حياته بطريقة فاضلة ويخضع خدمه بطريقة لائقة مثل الغضب والشهوة، ويمدهم بالطعام في حينه؛ فبالنسبة للغضب يستخدمه ضد مبغضي الله (لتوبتهم)، وبالنسبة للشهوة يمارسها في حدود الضرورة اللازمة للجسد، مخضعًا إيَّاها لله؛ مثل هذا أقول يقيمه الله علي جميع أمواله إذ يُحسب أهلاً أن يتمتع بنظر كل الأمور (الإلهيَّة) خلال نور التأمَّل. ( الأب ثيؤفلاكتيوس ) ليتنا إذن نكون وكلاء أمناء ليس فقط كخدام نقدَّم الطعام الروحي اللائق بكل نفس في حينه، وإنما حتى بالنسبة لنا، فنكون أمناء علي الخدام الذين تحت أيدينا، كالجسد بكل أعضائه وأحاسيسه، والفكر بكل طاقاته، والقلب بكل عواطفه والغرائز. ليكن كل ما هو بين أيدينا أمانة تسلمناها من قبل الرب، يلزمنا أن نخدمها بالروح القدس، فنعطيها شبعًا لا بأمور هذه الحياة الباطلة، وإنما بطعام الروح، كلمة الله التي تُشبع كل كياننا. عندئذ يقيمنا الله علي جميع أمواله، إذ تخضع السماء والأرض لإشتياقاتنا في الرب، ويعمل الكل لبنياننا، ويصير كل منا أشبه بملكٍ صاحب سلطان في الرب، ملك الملوك ورب الأرباب. إنه لا يليق بنا أن نضرب "الغلمان والجواري"، فإن كانت الغلمان تشير إلى طاقات النفس فإن الجواري تشير إلي طاقات الجسد، لأننا كما سبق في دراساتنا السابقة رأينا أن النفس يُرمز لها بالذكر والجسد بالأنثى، فالغلمان هم أبناء النفس، والجواري هن بنات الجسد؛ ونحن مطالبون ألا نحطم هؤلاء ولا أولئك، بل نقوَّتهم ونربيهم، ليكون الكل مقدَّسًا للرب، عاملاً بروحٍ منسجمٍ لحساب ملكوت الله. يقدَّم لنا السد مبدأ هامًا في المكافأة أو الجزاء وهو أنه كلما زادت المعرفة صارت المسئولية أعظم وبالتالي تكون المكافأة أو يكون الجزاء أكثر، إذ يقول: "وأما ذلك العبد الذي يعلم أرادة سيِّده ولا يستعد ولا يفعل بحسب أرادته فيضرب كثيرًا. ولكن الذي لا يعلم ويفعل ما يستحق ضربات يُضرب قليلاً، فكل من أُعطي كثيرًا يطلب منه كثير ومن يودعونه كثيرًا يطالبونه بأكثر" [47-48]. + لا يُناقش في جريمة من يعرف إرادة سيِّده ويهملها ولا يعمل ما هو لائق بها كواجب ملتزم به، إذ يُحسب في عار واضح ويستحق ضربات كثيرة. لكن لماذا يتحمل ضربات ولو قليلة من لا يعلم إرادة سيِّده ولا يفعلها؟ لأنه لم يرد أن يعرفها مع أنه في قدرته أن يعرفها... إنها لدينونة عنيفة يسقط تحتها من يعلمون. هذا ما يظهره تلميذ المسيح القائل: "لا تكونوا معلمين كثيرين يا إخوتي، عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم" (يع 3: 1). فإن عطيَّة المواهب الروحيَّة وفيرة للذين هم رؤساء الشعب، إذ يكتب الحكيم بولس إلي الطوباوي تيموثاوس: "فليعطك الرب فهمًا في كل شيء" (2 تى 2: 7)، "لا تهمل أيضًا موهبة الله التي فيك بوضع يديّ" (راجع 2 تى 1: 6). من هذا يظهر أن مخلِّص الكل إذ يعطيهم أكثر يطالبهم أكثر. ما هي الفضائل التي يطالبهم بها؟ الثبات في الإيمان، التعليم الصحيح، التأسيس حسنًا في الرجاء، الصبر بلا زعزعة، القوَّة الروحيَّة التي لا تُغلب، الفرح والشجاعة في كل تقدَّم حسن، بهذا نصير قدوة للآخرين في الحياة الإنجيلية. فإن عشنا هكذا يمنحنا المسيح الإكليل، الذي به ومعه السبح والسلطان للآب والروح القدس إلي أبد الأبد آمين. ( القدِّيس كيرلس الكبير )+ انظر كيف يكشف بوضوح أنه لأمر خطير أن يخطئ إنسان بمعرفةٍ عن أن يخطئ بجهلٍ. ومع هذا فليس لنا أن نحتمي تحت ظلال الجهل، لأنه يوجد فارق بين أن تكون جاهلاً، وأن تكون غير راغب في المعرفةٍ. فالإنسان الذي قيل عنه أنه "كف عن التعقل عن عمل الخير" (مز 36: 3) إرادته مخطئة وليس له حق الاعتذار بالجهل. ومع هذا فالجهل لا يبرر أحدًا أو يعفيه عن عقاب النار الأبديَّة... وإنما ربَّما يخفف عن العقوبة، إذ لم يقل عبثًا... "معطيًا نقمة للذين لا يعرفون الله" (2 تس 1: 8). ( القدِّيس أغسطينوس ) + أي عذر لنا الذين دخلنا القصر وحُسبنا أهلاً أن ندخل الهيكل، وصرنا شركاء في التمتع بالأسرار غافرة الخطايا ومع هذا نسلك أشر من اليونانيين (الأمم) الذين لم يشتركوا في شيء من هذا القبيل؟ ( القدِّيس يوحنا الذهبي الفم ) القطيع الجديد ونار الروحإذ طالبنا السيِّد أن نحيا كوكلاء أمناء وحكماء، فمن أين نقتني الأمانة والحكمة؟ أنهما عطيَّة الروح القدس الناري، الذي بعثه السيِّد المسيح لكنيسته لكي يحول أعضاءها إلى أشبه "بعرش شاروبيمي ملتهب نارًا"، فنتأهل ليملك الرب علينا، جالسًا في داخلنا كما علي عرشه. هذه النار الإلهيَّة هي عطيَّة الرب لنا، إذ يقول: "جئت لألقي نارًا علي الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟" [49]. + أراد بهذا أن يقدَّم لنا تلميذا مملوءًا حرارة ونارًا، مستعدًا لاحتمال كل خطر. ( القدِّيس يوحنا الذهبي الفم ) + لهذا السبب ظهر الروح في نار، لكننا نحن نزداد برودة أكثر من الرماد، وعدم حيويَّة أكثر من الموتى، بينما نرى بولس يحلق في أعلى السماوات وسماء السماوات، أكثر غيرة من اللهيب، يغلب كل شاء، ويتخطى كل الأمور: السفلية والعلويَّة، الحاضرة والمستقبلية، والكائنة غير الكائنة... لنترك بولس ونذكر المؤمنين الأولين الذين تركوا كل ممتلكاتهم ومكاسبهم وكل الاهتمامات الأرضية والراحة الزمنيَّة، مكرسين أنفسهم لله بالكلية، معطين كل اهتمامهم لتعليم الكلمة ليلاً ونهارًا. هذا هو نار الروح الذي لا يسمح لنا أن تكون فينا شهوة لأمرٍ من أمور هذه الحياة، بل ينقلنا إلي حب آخر. + قال هذا ليعلن عن التهاب الحب وحرارته الذي يطلبه فينا. فكما أحبَّنا كثيرًا جدّا هكذا يريدنا أن نحبه نحن أيضًا. ( القدِّيس يوحنا الذهبي الفم ) + إله الكل هو "الصانع ملائكته رياحًا وخدامه نارًا ملتهبة" (مز 104: 4)... عندما رغب بولس الطوباوي ألا تبرد نعمة الروح المعطاة لنا، حذرنا قائلاً: "لا تطفئوا الروح" (1 تس 5: 19)، حتى نبقى شركاء مع المسيح، ذلك أن تمسكنا حتى النهاية بالروح الذي أخذناه، إذ قال: "لاتطفئوا" ليس لأن الروح موضوع تحت سلطان الإنسان أو أنه يحتمل آلامًا منه، بل لأن الإنسان غير الشاكر يرغب في إطفاء الروح علانية، ويصير كالأشرار الذين يضايقون الروح بأعمال غير مقدَّسة... لقد أمسكت نار كهذه بإرميا النبي عندما كانت الكلمة فيه كنارٍ، إذ قال أنه لا يمكن أن يحتمل هذه النار (إر 20: 9)... وقد جاء سيدنا يسوع المسيح المحب للإنسان لكي يلقي بهذه النار علي الأرض، قائلاً ماذا أريد لو اضطرمت؟" ( القدِّيس البابا أثناسيوس ) + ليعيننا الفهم الصالح ملهبًا أذهاننا ومنقيها، ذاك الذي جاء ليرسل نارًا علي الأرض لتبدد العادات الشرِّيرة مسرعًا بإشعالها. ( القدِّيس غريغوريوس النزينزي ) + عندما حلّ الروح القدس قيل: "وظهرت ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت علي كل واحد منهم" (أع 2: 3)... من ثم يقول الرسول أيضًا: "حارين في الروح" (رو 12: 11)، لأن منه تأتي غيرة الحب: "لأن محبَّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا" (رو 5: 5). وعلى نقيض هذه الغيرة ما قاله الرب: "تبرد محبَّة الكثيرين" (مت 24: 14)، لأن الحب الكامل هو عطيَّة الروح القدس الكاملة. ( القدِّيس أغسطينوس ) + هذه هي النار التي اضطرمت في قلوب التلاميذ، فألزمتهم بالقول: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب؟" (لو 24: 32). ( القدِّيس جيروم ) + لا يقصد النار المحرقة للخير، وإنما النار التي تحث علي الأعمال الصالحة، التي تجعل الأواني الذهبية التي في بيت الرب في حالٍ أفضل، بحرق العشب والقش (1 كو 3: 12) وحرق كل مخبأ زمني تكدست فيه الملذّات الجسديَّة الزمنيَّة التي مصيرها الفناء. هذه النار الإلهيَّة أشعلت عظام الأنبياء، كما قال إرميا: "كان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي فمللت من الإمساك ولم أستطع" (إر 20: 9). توجد نار للرب قيل عنها: "النار تحرق قدامه" (مز 96: 3). الرب نفسه نار، إذ يقول عن نفسه أنه نار آكلة (مز 3: 2؛ 24: 17؛ تث 42:4؛ عب 12: 29). نار الرب هي النور الأبدي، بهذه النار تُشعل السرج التي سبق فقيل عنها: "لتكن أحقاءكم ممنطقة وسرجكم موقدة". يشهد كليوباس وزميله أن الرب وضع فيهما هذه النار بقولهما: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا؟" (لو 24: 32)، معلنين عن عمل هذه النار التي تنير أعماق القلب. ربَّما لأجل هذا سيأتي الرب في نار (إش 46: 15-16) ليحرق كل الرذائل في القيامة ويملأ بوجوده إشتياقات كل أحد (من مؤمنيه) ويشرق بنوره علي الأعمال والسرائر. ( القدِّيس أمبروسيوس ) + إننا نؤكد أن هذه النار التي أرسلها المسيح هي لخلاص البشر ونفعهم، الله يهب كل قلوبنا أن تمتلئ بها. فإن النار هنا - كما أقول - هي رسالة الإنجيل الخلاصيَّة وقوَّة وصاياه، فإننا جميعًا نحن الذين علي الأرض باردون وأموات بسبب الخطيَّة وفي جهالة... نلتهب بالحياة التقويَّة ونصير "حارين في الروح" (رو 12: 11) كتعبير الطوباوي بولس. بجانب هذا نصير شركاء في الروح القدس الذي هو مثل نارٍ في داخلنا... هذه هي عادة الكتاب المقدَّس الإلهي المُوحى به أنه يلقب الكلمات الإلهيَّة المقدَّسة أحيانا باسم "نار"، ليظهر فاعلية الروح القدس وقوَّته، الذي به نصير نحن حارين في الروح. تحدَّث أحد الأنبياء القدِّيسين في شخص الله عن المسيح مخلِّص الجميع: "يأتي بغتة إلي هيكله السيِّد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تسرون به، هوذا يأتي قال رب الجنود؛ ومن يحتمل يوم مجيئه؟ ومن يثبت عند ظهوره؟ لأنه مثل نار الممحص ومثل اشنان القصّار، فيجلس ممحصًا ومنقيًا للفضة" (ملا 3: 1-3). يقصد بالهيكل الجسد الذي هو مقدَّس بالحق ليس فيه دنس، وُلد من العذراء القدِّيسة بالروح القدس بقوَّة الآب. فقد قيل للعذراء الطوباويَّة: "الروح القدس يحل عليكِ وقوَّة العلي تظللك" (لو 1: 35). وقد حسبه "ملاك (رسول) العهد، إذ جاء يكشف لنا عن إرادة الآب الصالحة ويخدمنا. كما يقول بنفسه: "لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي" (يو 15: 15)... وكما أن الذين يعرفون كيف ينقون الذهب والفضة يستخدمون النار... هكذا يطهّر مخلِّص الكل فكر كل الذين يؤمنون به بتعاليم بقوَّة الروح... بماذا نفسر الجمرة التي لمست شفتي النبي (إش 6: 6-7) وطهرته من كل خطيَّة؟ إنها رسالة الخلاص، والاعتراف بالإيمان بالمسيح، من يتقبل هذا في فمه يطهر. هذا ما يؤكده لنا بولس: "لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت" (رو 10: 9). إذًا نقول أن قوَّة الرسالة الإلهية تشبه جمرة حيَّة ونارًا. يقول إله الكل للنبي إرميا: "هأنذا جاعل كلامي في فمك نارًا وهذا الشعب حطبًا فتأكلهم" (إر 5: 14)، "أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب؟" (إر 23: 29). ( القدِّيس كيرلس الكبير ) القطيع الجديد والألمإذ يهب الرب قطيعه الجديد روحه القدُّوس الناري، مقدَّما لهم كلماته أيضًا الناريَّة، وواهبًا إياهم الحب الناري، إنما لكي يعيش القطيع على مستوى سماوي ناري لا تستطيع أحداث هذا العالم أن تعوقه عن الانطلاق نحو الأبديات. حقًا إن مجيء السيِّد يلهب القلوب بالحب، لكنه أيضًا يثير غير المؤمنين حتى الأقرباء لمضايقتهم، فيحتمل المؤمنون كل ألم وضيق بقلب متسع كسيِّدهم. يقول السيِّد المسيح: "ولي صبغة أصطبغها، وكيف أنحصر حتى تُكمل؟ أتظنون إني جئت لأعطي سلامًا على الأرض؟ كلا، أقول لكم، بل انقسامًا. لأنه يكون من الآن خمسة في بيت واحد منقسمين، ثلاثة على اثنين، واثنان على ثلاثة. ينقسم الأب على الابن، والابن على الأب، والأم على البنت، والبنت على الأم، والحماة على كنتها، والكنة على حماتها" [50-53]. ما هي الصبغة التي اصطبغ بها السيِّد إلا احتماله الألم حتى الموت، باذلاً دمه من أجلنا، لذا يليق بنا أن نحمل سمته، فنقبل من أجله الجهاد الروحي حتى الدم، أي حتى الموت. وكما يقول الرسول: "من أجلك نمات كل النهار" (رو 8: 36). لقد دُعيت المعموديَّة صبغة، إذ بها نحمل سمات السيِّد المسيح. بدفننا معه لنقوم أيضًا معه، حاملين قوَّة قيامته فينا. هذه الصبغة كما يقول العلامة ترتليان تكون في مياه المعموديَّة أو خلال الاستشهاد، هاتان المعموديتان- في رأيه- أخرجهما من جنبه المطعون، إذ خرج منه دم وماء (يو 19: 34). v يقصد بمعموديته (صبغته) موته بالجسد، وبانحصاره إذ حزن وتضايق حتى أكملها. ماذا حدث عندما أكملت؟ صارت رسالة الإنجيل الخلاصيَّة معلنة لا في اليهوديَّة وحدها، بل في كل العالم... فقّبل الصليب الثمين وقيامته من الأموات كانت وصاياه ومجد معجزاته الإلهيَّة في اليهوديَّة وحدها، لكن إذ أخطأ إسرائيل في حقه، وقتلوا رئيس الحياة... أعطى الوصيَّة لتلاميذه هكذا: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (مت 28: 19-20). انظروا ها أنتم ترون النار الإلهيَّة المقدَّسة قد انتشرت بواسطة الكارزين القدِّيسين. ( القدِّيس كيرلس الكبير ) الآن إذ يرش الرب دمه كصبغة مقدَّسة نصطبغ بها، خلاله يلتهب قلبنا بنار روحه القدُّوس يلزمنا كما "انحصر" هو حتى أكمل عمل الفداء أن ننحصر نحن خلال الألم حتى نعلن كمال حبنا له، محتملين الضيق حتى ممن هم أقرب الناس إلينا، من أهل بيتنا. v هل تظن أنه يأمر بتفكك الرباطات بين أبنائه المحبوبين؟ كيف يكون هذا وهو نفسه سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا؟ (أف 2: 14)، والقائل: "سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم" (يو 14: 27)؟ إن كان قد جاء ليفرق الآباء عن الأبناء والأبناء ضد الآباء فكيف يلعن من لا يكرم أباه (تث 27: 16)؟ يريد أن يكون الله في المرتبة الأولى وبعد هذا تأتي محبَّة الوالدين... ينبغي أن نفضل ما لله عما للبشر، لأنه أن كان للوالدين حقوق، يلزمنا أن نشكر من وهبنا الوالدين... أضف إلى هذا قوله في إنجيل آخر: "من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني" (مت 10: 37). الله لا يمنعك عن محبَّة والديك، إنما عن تفضيلهما عن الله، فالعلاقة الطبيعيَّة هي من بركات الرب، فلا يليق أن يحب الإنسان العطيَّة أكثر من واهب العطيَّة وحافظها. ( القدِّيس أمبروسيوس ) v عندما تجحد أبًا أرضيًا من أجل تقواك نحو المسيح فستقتني ذاك الذي من السماء أبًا لك، وإن رفضت أخًا لأنه يهين الله ولا يخدمه فسيقبلك المسيح كأخٍ له... اترك أمك التي حسب الجسد واقتن الأم العلويَّة أي أورشليم السماويَّة التي هي "أمنا" (غل 4: 26). وهكذا تجد نسبًا مجيدا وقويًا في عائلة القدِّيسين، معهم تصير وارثًا هبات الله التي لا ُتدرك ولا يمكن للغة أن تعبر عنها. ( القدِّيس كيرلس الكبير ) + + +
اليوم الثالث [ الأربعاء ] من الأسبوع الأول من الصوم الكبير
ارتباط القراءات محبة الآخرين تدور فصول هذا اليوم جميعها حول موضوع واحد هو " محبة الآخرين " فالنبوة الأولى تحث المؤمنين على مخافة الرب فى تصرفاتهم معهم ، كما حث إشعياء بيت يعقوب على ذلك ، والثانية تتكلم عن بركاته لهم كما وعد يوئيل شعب الله بذلك . ويوصيهم المخلص فى إنجيل باكر بمحبة الأعداء خاصة ، وفى إنجيل القداس بمحبة الآخرين عامة ، مبينا لهم أن جزاءهم سيكون من جنس عملهم . أما رسالة البولس ففيها يحثهم الرسول على إرضاء الآخرين ، ويبين الكاثوليكون أن محبتنا لهم يجب أن تكون محبة عملية ، ويوصى الأبركسيس بأن نحب الأتقياء منهم حتى ولو كانوا من الأمم كما أوضح بطرس ذلك لكرنيليوس .
من المزامير .... مزمور 25 المزمور الخامس والعشرون الرب معلمنا يمكن تصنيفه مع مزامير الحكمة وأيضا مع المراثى الشخصية ، خصوصا حين يكون الإنسان حزينا بسبب شعوره الشخصى بالعزلة والأضطهاد . يعتبر هذا المزمور مثالا طيبا لكيفية الصلاة لله فى تضرعات يومية ، منه نتعلم : - ماهية الصلاة [ 1 ، 15 ] ، رفع القلب والعينين إلى الله .- ما الذى ينبغى أن نصلى لأجله : طلب غفران الخطية [ 6 ، 7 ، 18 ] ، توجيهنا نحو طريق الألتزام [ 4 ، 5 ] ، طلب عطف الله [ 16 ] ، الخلاص من اتعابنا [ 17 ، 18 ] ، وحفظنا من أعدائنا [ 20 ، 21 ] ، وخلاص كنيسة الله [ 22 ] .- كيفية تضرعنا لله فى الصلاة : ثقتنا فى الله [ 2 ، 3 ، 5 ، 20 ، 28 ] ، مرارتنا وظلم أعدائنا لنا [ 17 ، 19 ] ، إخلاصنا [ 21 ] .- ما هى المواعيد الثمينة المقدمة لنا لتشجيعنا على الصلاة ، لإرشادنا وتوجيهنا [ 8 ، 9 ، 12 ] ، ومنافع العهد مع الله [ 10 ] وبهجة الشركة معه [ 13 ، 14 ] .
" إليك يارب أرفع نفسى " [ 1 ] يعرف داود الصلاة بأنها رفع نفسه إلى الرب ، فقد اعتاد أن يرفع نفسه وقلبه إلى الله مع رفع يديه وعينيه ، تشترك النفس مع الجسد ، والقلب مع الفكر ... الصلاة هى رحلة صعود كما على سلم يعقوب ، تاركين وراءنا كل الهموم والمتاعب لتحلق النفس على قمة السلم وتتمتع بالحضن الإلهى . بالصلاة يختبر المؤمن فى كل يوم أنه غريب على الأرض ، يعيش تحت الآلام ، محاط بالأعداء ، لكنه متلل بالروح ، سعيد بعربون السماء ، ينعم بخبرات جديدة فى شركته مع الله الصلاة هى رفع العقل إلى الله .
" يا إلهى عليك توكلت " [ 2 ] استخدم لفظ " اتكال " فى بداية المزمور ، لكن نفس الإتجاه أو الروح عبر كل المزمور عند حديثه عن الله [ 5 ، 8 – 10 ، 14 الخ ... ] وبتأكيده انتظاره الرب [ 3 ، 5 ، 21 ] . فالأنتظار معناه قبول توقيت الرب وبالتالى حكمته . كلما كثرت متاعبنا تزداد ثقتنا فى الله ، إذ يجب أن تدفعنا المخاطر بعيدا عن ذواتنا ، فنسعى طالبين عون الله ، يشهد ضمير داود له بأنه لا يتكل على ذاته ولا على أى مخلوق بل على إلهه . فلا يتزعزع ولا يخزى بهذا الأتكال . " جميع الذين ينتظرونك لا يخزون ، ليخز الذين يصنعون الإثم باطلا " [ 2 ، 3 ] ليست الضيقات هى التى تجلب الخزى والعار بل صنع الإثم . كان داود فى مرارة بسبب اضطهاد الأعداء له لكنه كان فى مجد ، لأنه يتكىء على صدر الله مخلصه ، فيحول الضيق إلى خبرة شركة مع الله . " اظهر لى يارب طرقك ، وعلمنى سبلك ، أهدنى إلى عدلك وعلمنى . لأنك أنت هو الله مخلصى ، وإياك انتظرت النهار كله اذكر مراحمك يارب وإحساناتك لأنها منذ الأزل هى " [ 4 - 6 ] . يصلى المرتل إلى الله فى جدية لكى يظهر له الطريق ويعلمه ويدربه بروح الحب الأبوى كمخلص ، أما من جانبه فهو ينتظر كل النهار ليتعرف على سبل الله ويسلك فيها بروح الطاعة ، يدعوه المرتل معلمه أو مدربه الرحوم الأبدى الذى يدخل به إلى سبله المقدسة . " خطايا شبابى وجهالاتى لا تذكر ، كمثل رحمتك أذكرنى أنت من أجل صلاحك يارب ، لأنه صالحا ومستقيما هو الرب . لذلك يصنع ناموسا للذين يخطئون فى الطريق " [ 7 ، 8 ] ما كان يمكن لداود النبى أن يعترف بخطاياه وجهالاته ، خاصة التى ارتكبها فى أيام شبابه لو لم يكشف له الرب عن رأفاته ومراحمه الأزلية . حب الله وأبوته الحانية هما سندنا فى الأعتراف بخطايانا . + على الصليب تعانق الحب الإلهى مع العدل ، وانكشفت رحمة الله التى لا تنفصل قط عن عدالته ، لذا يقول المرتل : " .... ، جميع طرق الرب رحمة وحق ، للذين يبتغون عهده وشهادته " [ 10 ] طرق الرب رحمة وحق لمؤمنيه الحقيقيين الذين يطلبون عهده ليحفظوه ، ويكونوا أمناء فى ارتباطهم به ، ليصيروا بالحق ملكا له . + كان داود النبى جادا جدا فى طلبه أن يخلصه الرب من ضيقاته ... لكنه وسط آلامه لم ينس آلام الجماعة ككل . صلى لأجل نفسه وها هو يطلب من أجل الجماعة لكى ينقذها ، إسرائيل الجديد ، الذى ليس هو بدولة إسرائل بل كنيسة العهد الجديد . " يا الله أنقذ إسرائيل من جميع شدائده " [ 22 ] خلص شعبك ، لا من الضيقات التى تحاصرهم من الخارج ، بل أيضا ومن تلك التى يعانون منها فى الداخل ، لأنك أنت يا الله قد أعددت شعبك لينعموا برؤيتك . + + + الكاثوليكون .... 2 بط 1 : 4 – 11 ملكوت السماواتعمل الله من أجل الملكوت"سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله، إلى الذين نالوا معنا إيمانًا ثمينًا مساويًا لنا، ببرّ لهنا والمخلص يسوع المسيح ربنا" [1]. اختلفت هذه الافتتاحية عن تلك التي جاءت في الرسالة الأولى: أولاً: هنا يذكر اسمه الأول "سمعان" ملازمًا الاسم الذي دعاه به الرب. فلو أن هذه الرسالة مدسوسة لما كتب هذا الاسم مقتبسًا الافتتاحية الأولى. ثانيًا: دعا نفسه عبدًا، مظهرًا حقيقة مركزه بالنسبة لربنا يسوع. ثالثًا: إذ يتحدث في هذه الرسالة عن "ملكوت السماوات وانتظار مجيء الرب الثاني"، لهذا يذكر في الافتتاحية أنها موجهة "إلى الذين نالوا معنا إيمانًا ثمينًا مساويًا لنا ببرّ إلهنا والمخلص يسوع المسيح ربنا" وهنا نلاحظ: 1. لم يقل لهم إلى "المتغربين من شتات..." كما في الرسالة الأولى، حيث يحدثهم عن الآلام والضيق فيذكرهم بغربتهم، إنما يتحدث هنا "إلى الذين نالوا معنا إيمانًا ثمينًا"، إذ هذا هو طريق الملكوت. 2. كان من الصعب عليهم أن يدركوا أن الإيمان الذي يتقبله الأمم مساويًا لإيمانهم لهذا أكد "مساويًا لنا". 3. ولئلا يظن القارئ أن الملكوت خاص بالرسل والتلاميذ وحدهم أراد أن يؤكد لهم أن الإيمان الثمين الذي لهم مساويًا لما هو للرسل لذا يقول: ببرّ إلهنا، أي ليس لأحد فضل فيه. 4. لا يقول "مخلصنا" بل "المخلص" موضحًا أنه جاء ليخلص كل البشرية. "لتكثر لكم النعمة والسلام" راجع تفسير (1 بط 1: 2). "بمعرفة الله ويسوع ربنا" [2] شروط التمتع بنعمة الرب وسلامه الحقيقي هو المعرفة الإلهية، ليست المعرفة الذهنية بل العملية أيضًا. لهذا يطالبنا الأب نسطور أن نهتم بالمعرفة الاختبارية العملية، ولا نقف عند مجرد التأمل والفهم، وكما يقول: [يستحيل على النفس غير النقية، مهما بلغت أشواقها نحو القراءة، أن تحصل على معرفة روحية. لأنه لا يقدر أحد أن يسكب دهنًا طيبًا أو عسلاً جيدًا أو أي سائل قيّم في إناءٍ قذرٍ كريه الرائحة، لأن الإناء الذي امتلأ بروائح كريهة يفسد ما يوضح فيه أكثر مما يتأثر هو من الشيء الصالح، لأن ما هو نقي يفسد بسرعة أكثر من تأثير النقي عليه.] تحمل هذه المعرفة الحقيقية لصاحبها حياة أبدية، إذ يقول الرب: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو 17: 3). "كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى بمعرفة الذي دعانا بالمجد والفضيلة، اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى الثمينة، لكي تصيروا بها شركة الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة" [3-4]. لقد كشف لنا الرسول: أولاً: المدعوّين للملكوتأعلن الله أعماق محبته لنا إذ دعا الجميع دعوة عامة للميراث الأبدي، إذ هو "المخلص" مقدمًا لنا إيمانًا ثمينًا مجانيًا بلا محاباة أو تمييز [1]. هذا الإيمان الثمين ليس لشعبٍ أو جنسٍ فضل فيه، بل قدمه ربنا؛ "ببرّ إلهنا والمخلص يسوع المسيح" الذي دفع ثمنًا على الصليب هذا مقداره! ثانيًا: الدعوة بالمجد والفضيلةعمومية الدعوة ومجانيتها لا يعنيان إلا حب الله. إذ هي دعوة للتزين بالمجد والفضيلة. وأي مجد؟ وأية فضيلة؟ إننا مدعوّون لنتزين بالله ونتسربل بفضائله، فهو مجدنا، وهو سلاحنا. لسنا مدعوّين لفضائل خارجية بل للاتحاد به، والامتثال به، فيكون لنا حب الرب، وقداسته، وصبره واحتماله وطول أناته ووداعته وبساطته. لهذا يقول الرسول: "لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة". فإذ نحن في العالم كيف نسلم من الفساد؟ بالاتحاد بالرب القدوس والإقتداء به؛ نتمثل به فلا يلمسنا فساد العالم الذي بالشهوة. إنها دعوة ثمينة أن تنعكس علينا إشعاعات الصفات الإلهية من حب وقداسة ووداعة... على القلب لنكون مثله (1 يو 3: 2؛ مت 6: 23)!. ثالثًا: إمكانيات الدعوةما فائدة الدعوة الثمينة التي دفع فيها ثمنًا هذا قدره، وقُدمت لننال مجدًا سماويًا وفضائل روحية بغير إمكانية للتنفيذ؟ لهذا يقول الرسول:"كما أن قدرته الإلهية قد وَهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى". وكأن الرسول يقول لنا ما هو عذرنا بعد إن كان اللَّه قد قدم لنا بقدرته الإلهية كل ما هو للحياة والتقوى، إذ قدم لنا: 1. ميلادًا جديدًا سماويًا، به نولد روحانيًا، لنمتثل باللَّه القدوس. يقول الأب هيبوليتس: [أتوسل إليكم أن تصغوا إليّ جيدًا، فإنني أرغب في الرجوع بكم إلى ينبوع الحياة لتروا الينبوع المتدفق بالشفاء. الآب الخالد أرسل ابنه الكلمة الخالد إلى العالم، هذا الذي جاء إلى الإنسان لكي يغسله بالماء والروح، فأعادنا ثانية إلى عدم الفساد الذي للنفس والجسد، ونفخ فينا نسمة الحياة، وأمدنا بسلاحٍ غير فاسد. لذلك إذ يصير الإنسان خالدًا يصير إلهًا، وإذ يصير بالماء والروح القدس إلهًا خلال تجديده في الجرن، يصير بعد قيامته من الأموات شريكًا في الميراث مع المسيح (رو 8: 17). لهذا فإنني أكرز بهذا الهدف: تعالوا يا جميع أجناس الأمم إلى الخلود الذي يهبه العماد. إنني أقدم لكم بشائر الحياة الحسنة يا من تتخبطون في ظلمة الجهل! تعالوا إلى الحرية يا من في العبودية! إلى الملكوت يا من في الظلمة! تعالوا من الفساد إلى عدم الفساد! يقول قائل: وكيف نأتي؟ كيف؟ بواسطة الماء والروح القدس. هذا هو الماء المرتبط بالروح، الذي به يرتوي الفردوس، والذي به تغتني الأرض، وتنمو النباتات، وتتكاثر الحيوانات... وفي كلمة الذي به يُولد الإنسان ثانية ويتمتع بالحياة.] 2. تكريسًا للأعضاء والحواس والعواطف والغرائز بسر الميرون. 3. غسلاً لأقدامنا مع التلاميذ بيدي الرب يسوع الطاهرتين، الذي يتقدم في سرّ التوبة والاعتراف ويغسلهما. 4. تثبيتًا فيه وهو فينا خلال التناول من الأسرار المقدسة. 5. وهبنا تعليمًا روحيًا غير غاش لنمونا، يرضعنا به الروح في الكنيسة. 6. يقدم لنا الروح كل ما نحتاج إليه من ثمار وبركات روحية بل وزمنية أيضًا تعمل لأجل خلاصنا الخ. 2. جهاد الإنسان من أجل الملكوتضرورة الجهاد لخلاصنا قدم لنا ربنا: 1. إيمانًا ببر إلهنا، بدونه نعجز عن العبور إلى الأبدية. 2. دعوة للمجد والفضيلة. 3. إمكانيات إلهية للحياة والتقوى. ولكن هل يمكن للإنسان أن يخلص منتفعًا بهذه التقدمات الإلهية بغير جهاد؟ إننا لا نقدر أن نخلص ما لم نشترك في حمل الصليب، ليس بذاتيتنا، ولكن بنعمة اللَّه المعينة والمساعدة والمرشدة. يا لعظم حبه الفائق أن يجعلنا ننحني مع سمعان القيرواني لنحمل معه صليبه؟ لهذا يقول الرسول: "ولهذا عينه وأنتم باذلون كل اجتهاد" [5]، أي لأجل الدعوة للأبدية ،أو لأجل خلاصكم وأنتم باذلون. وماذا نبذل؟ كل اجتهادٍ. فكما بذل الآب ابنه الوحيد، هكذا نربط نحن ابننا (كل ما هو محبوب لدينا) ونذبحه للرب كما قدم إبراهيم اسحق. طريق الجهاد"قدموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة. وفي المعرفة تعففًا، وفي التعفف صبرًا، وفي الصبر تقوى، وفي التقوى مودة أخوية، وفي المودة الأخوية محبة" [6-7]. يربط الرسول الفضائل بعضها البعض دون تقديم الواحدة عن الأخرى، فلا يقول "بعد إيمانكم فضيلة" بل "في إيمانكم فضيلة". وكما يؤكد آباء الكنيسة أن الفضائل كما الرذائل هي سلسلة مترابطة وانعكاسات على بعضها البعض بطريقة لا تنفصل. 1. فضيلة: يطالبنا الرسول أن نقدم في الإيمان أعمالاً حتى لا يكون ميتًا. 2. معرفة: من يسير في الفضيلة بغير معرفة، يكون كمن يسير بلا هدف، ومن يدّعي المعرفة بغير السلوك في الفضيلة يكون ثرثارًا متكبرًا. 3. تعفف: من له معرفة عملية تعرف نفسه الخطية، بل وكل ما هو زمني مشتاقًا إلى الأبديات، وكما يستند التعفف أي ضبط النفس على المعرفة، يسند هو أيضًا المعرفة. 4. صبر: ضبط النفس أو التعفف النابع عن محبة السماويات يبعث في النفس قدرة على الاحتمال والصبر، فيترك الإنسان كل شيء برضا. هذا الصبر أو الاحتمال أيضًا يسند التعفف، لأن بدونه لا يقدر الإنسان أن يكون ضابطًا لنفسه. 5. تقوى: الاحتمال من أجل السماويات يهب للنفس تقوى، أي يبعث فيها الورع والمخافة الإلهية، وهذه التقوى تعين الإنسان، فيحتمل صابرًا. 6. المودة الأخوية: من يخاف الله ويتّقيه يعامل إخوته بلطفٍ وحنانٍ، وهذه المودة الأخوية أيضًا تملأ القلب ورعًا وتقوى. 7. المحبة: أما من يحب فقد اقتنى كل الفضائل، ولا تقوم فضيلة ما بغير محبة. هذا وقدر ما يتسع القلب للمودة الأخوية يحب الله، وقدر ما يحب الله يتسع لمودة الناس. يقول القديس دوروثيؤس: [تصور دائرة تخرج من مركزها أشعة أو خطوط. فبقدر ما تبتعد الخطوط عن المركز تفترق عن بعضها البعض... وبالعكس كلما اقتربت من المركز تقاربت نحو بعضها البعض. افترض أن هذه الدائرة في العالم ومركز الدائرة هو الله. والخطوط من المركز إلى المحيط أو من المحيط إلى المركز هي طريق حياة البشر، فإننا نجد نفس الأمر، فبقدر ما يتحرك القديسون في داخل الدائرة تجاه المركز راغبين في الاقتراب من الله، يقترب كل منهما للآخر.] أهمية الجهاد وخطورة التخلي عنه1. "لأن هذه إذا كانت فيكم وكثرت، تصيّركم لا متكاسلين، ولا غير مثمرين، لمعرفة ربنا يسوع المسيح" [8]. متى كان فينا الجهاد في الفضائل السابق ذكرها، ونمونا فيها، تصّيرنا في حياة حيّة نشيطة مملوءة ثمارًا. هذه الثمار وسيلة للتعرف على ربنا يسوع معرفة حقيقية. من أجل هذا تطلب الكنيسة من الإشبين أن يزرع في الطفل المعمّد هذه الفضائل على الأرض الجيدة الخارجة من المعمودية والمرويّة بالماء حي والروح القدس. 2. "لأن الذي ليس عنده هذه هو أعمى، قصير البصر، قد نسى تطهير خطاياه السالفة" [9]. وأما من كان خاليًا منها فهو أعمى بلا بصيرة روحية، فقد إدراكه لقيمة التطهير السالف الذي ناله في المعمودية، وهو قصير البصر لا تتعدى عيناه الأرضيات، مضروب بالنسيان من جهة أعمال اللَّه معه. 3. "لذلك بالأكثر اجتهدوا أيها الإخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين، لأنكم إذا فعلتم ذلك لن تزلّوا أبدًا" [10]. إن الجهاد هام لجعل الدعوة والاختيار ثابتين، فبدونه يزل الإنسان ويتعثر كالأعمى، ويخسر دعوته واختياره... ولكن خشي الرسول لئلا ييأس أحد من خلاصه، لهذا أكمل قائلاً: "لأنه هكذا يقدم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الأبدي" [11]. ملكوت الله مفتوح متسع للمجاهدين لأننا إن صبرنا معه، فسنملك معه أيضًا (تي 2: 12). أبوابه مفتوحة على مصراعيه، لأن الله سخي وكريم. + + + مزمور إنجيل القداس : احفظ نفسى ونجنى . لا أخزى لأنى عليك توكلت . انظر إلى وارحمنى : هلليلويا إنجيل القداس : لوقا 6 : 35 – 38
35 بل احبوا
اعداءكم و احسنوا و اقرضوا و انتم لا ترجون شيئا فيكون اجركم عظيما و تكونوا
بني العلي فانه منعم على غير الشاكرين و الاشرار + + + لم تأمر الشريعة ببغض العدوّ كوصيّة يلتزم بها المؤمن، في كسرها كسر للناموس وإنما كان ذلك سماحًا أُعطى لهم من أجل قسوة قلوبهم. لقد ألزمت بحب القريب وسمحت بمقابلة العداوة بعداوة مساوية، لكي تمهد لطريقٍ أكمل، أن يحب الإنسان قريبه على مستوى عام، أي كل بشر. يظهر ذلك بوضوح من الشريعة نفسها التي قدّمت نصيبًا من محبّة الأعداء ولو بنصيب قليل، فقيل: "إذا رأيت حمار مبغضك واقعًا تحت حمله وعدلت عن حلّه فلابد أن تحلّ معه" (خر 23: 5). وقيل أيضًا: "لا تكره أدوميًا لأنه أخوك، ولا تكره مصريًا لأنك كنت نزيلاً في أرضه" (تث 23: 7)، مع أن الأدوميّين والمصريّين كان من ألد أعدائهم. هذا من جانب ومن جانب آخر كان الشعب في بداية علاقته بالله غير قادر على التمييز بين الخاطي والخطيّة، لذا سمح الله لهم بقتل الأمم المحيطين بهم رمزًا لقتل الخطيّة، خاصة وأن اليهود كانوا سريعًا ما يسقطون في عبادة آلهة الأمم المحيطين بهم. لقد طالب السيّد المسيح المؤمنين أن يصعدوا بروحه القدّوس على سلّم الحب فيحبّون حتى الأعداء، ويحسنون إلى المبغضين لهم، ويصلّون لأجل المسيئين إليهم. وبهذا يحملون مثال أبيهم السماوي وشبهه. ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد المسيح قد جاء ليرفعنا إلى كمال الحب، الذي في نظره يبلغ الدرجة التاسعة، مقدّمًا لنا هذه الدرجات هكذا: الدرجة الأولى: ألا يبدأ الإنسان بظلم أخيه. الدرجة الثانية: إذا أصيب الإنسان بظلم فلا يثأر لنفسه بظلم أشد، وإنما يكتفي بمقابلة العين بالعين والسن بالسن (المستوى الناموسي الموسوي). الدرجة الثالثة: ألا يقابل الإنسان من يسيء إليه بشر يماثله، إنّما يقابله بروح هادئ. الدرجة الرابعة: يتخلّى الإنسان عن ذاته، فيكون مستعدًا لاحتمال الألم الذي أصابه ظلمًا وعدوانًا. الدرجة الخامسة: في هذه المرحلة ليس فقط يحتمل الألم، وإنما يكون مستعدًا في الداخل أن يقبل الآلام أكثر مما يودّ الظالم أن يفعل به، فإن اغتصب ثوبه يترك له الرداء، وإن سخّره ميلاً يسير معه ميلين. الدرجة السادسة: أنه يحتمل الظلم الأكثر ممّا يودّه الظالم دون أن يحمل في داخله كراهيّة نحو العالم. الدرجة السابعة: لا يقف الأمر عند عدم الكراهيّة وإنما يمتد إلى الحب... "أحبّوا أعداءكم". الدرجة الثامنة: يتحوّل الحب للأعداء إلى عمل، وذلك بصنع الخير "أحسنوا إلى مبغضيكم"، فنقابل الشرّ بعمل خير. الدرجة التاسعة والأخيرة: يصلّي المؤمن من أجل المسيئين إليه وطارديه. هكذا إذ يبلغ الإنسان إلى هذه الدرجة، ليس فقط يكون مستعدًا لقبول آلام أكثر وتعييرات وإنما يقدّم عوضها حبًا عمليًا ويقف كأب مترفّق بكل البشريّة، يصلّي عن الجميع طالبًا الصفح عن أعدائه والمسيئين إليه وطارديه، يكون متشبِّهًا بالله نفسه أب البشريّة كلها. يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن غاية مجيء السيّد إلينا إنّما هو الارتفاع بنا إلى هذا السموّ إذ يقول: [جاء المسيح بهذا الهدف، أن يغرس هذه الأمور في ذهننا حتى يجعلنا نافعين لأعدائنا كما لأصدقائنا.] ليس شيء يفرح قلب الله مثل أن يرى الإنسان المطرود من أخيه يفتح قلبه ليضمّه بالحب فيه، باسطًا يديه ليصلّي من أجله! يرى الله فيه صورته ومثاله! لهذا يختم السيّد الوصيّة بقوله "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين" [متى 5 : 45]. إن كنّا في مياه المعموديّة ننال روح التبنّي، ننعم بالسلطان أن نصير أولاد الله (يو 1: 12)، فإنّنا بأعمال الحب التي هي ثمرة روحه القدّوس فينا نمارس بنوتنا له، وننمو فيها ونزكِّيها. أبوّته لنا تدفعنا للحب، والحب يزكِّي بنوتنا له، يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هذا هو السبب الذي لأجله ندعوه في الصلاة أبًا، لا لنتذكّر نعمته فحسب، وإنما من أجل الفضيلة فلا نفعل شيئًا غير لائق بعلاقة كهذه.] فيما يلي بعض مقتطفات للآباء عن محبّة الأعداء: + لو لم يكن شريرًا ما كان قد صار لكم عدوًا. إذن اشتهوا له الخير فينتهي شرّه، ولا يعود بعد عدوًا لكم. إنه عدوّكم لا بسبب طبيعته البشريّة وإنما بسبب خطيّته! + كان شاول عدوًا للكنيسة، ومن أجله كانت تُقام صلوات فصار صديقًا لها. إنه لم يكف عن اضطهادها فحسب، بل وصار يجاهد لمساعدتها. كانت تُقام صلوات ضدّه، لكنها ليست ضدّ طبيعته بل ضدّ افتراءاته. لتكن صلواتكم ضدّ افتراءات أعدائكم حتى تموت، أما هم فيحيون. لأنه إن مات عدوّكم تفقدونه كعدوّ ولكنكم تخسرونه كصديق أيضًا. وأما إذا ماتت افتراءاته فإنكم تفقدونه كعدوّ وفي نفس الوقت تكسبونه كصديق. + عندما تعانون من قسوة عدوّكم تذكّروا قول الرب: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 23: 34) . القدّيس أغسطينوس + لا تفيدنا الصلاة من أجل الأصدقاء بقدر ما تنفعنا لأجل الأعداء!... فإن صليّنا من أجل الأصدقاء لا نكون أفضل من العشّارين، أمّا إن أحببنا أعداءنا وصليّنا من أجلهم فنكون قد شابهنا الله في محبّته للبشر. + يجب أن نتجنّب العداوة مع أي شخص كان، وإن حصلت عداوة مع أحد فلنسالمه في اليوم ذاته... وإن انتقدك الناس (على ذلك) فالله يكافئك. أمّا إن انتظرت مجيء خصمك إليك ليطلب منك السماح فلا فائدة لك من ذلك، لأنه يسلبك جائزتك ويكسب لنفسه البركة. القدّيس يوحنا الذهبي الفم ++إن كانت الرحمة تدفعنا للتشبُّه بالله الرحيم نفسه؛ فإنَّنا إذ نطلب رحمة يلزمنا أن نرحم اِخوتنا ولا ندينهم: "ولا تدينوا فلا تدانوا، لا تقضوا على أحد، فلا يُقضى عليكم" [37]. اهتم الآباء - خاصة آباء البريّة - بالتدقيق في عدم الإدانة، فحسبوا أنه ليس شيء يغضب الله مثلها، إذ تنزع نعمته عمَّن يرتكبها ويرفع رحمته عنه حتى إذا ما ترفَّق بأخيه ينال هو النعمة الإلهيّة ومراحم الله. يرى الأب بومين والأب موسى أن من يدين أخاه ينشغل بخطايا الغير لا بخطاياه، فيكون كمن يبكي على ميِّت الآخرين ويترك ميِّته. يقول الأب دوروثيؤس: [إننا نفقد القوَّة على إصلاح أنفسنا متطلِّعين على الدوام نحو أخينا]، [ليس شيء يُغضب الله أو يعرِّي الإنسان أو يدفعه لهلاكه مثل اغتيابه أخيه أو إدانته أو احتقاره... أنه لأمر خطير أن تحكم على إنسان من أجل خطيّة واحدة ارتكبها، لذلك يقول المسيح: "يا مرائي أخرج أولاً الخشبة من عينك، وحينئذ تُبصر جيِّدًا أن تُخرج القذَى الذي في عين أخيك" [42]. أنظر فإنَّه يشبِّه خطيَّة الأخ بالقذَى أما حُكمك المتهوِّر فيحسبه خشبَة. تقريبًا أصعب خطيَّة يمكن معالجتها هي إدانة أخينا!... لماذا بالحري لا ندين أنفسنا ونحكم على شرِّنا الذي نعرفه تمامًا وبدقة والذي نعطي عنه حسابًا أمام الله! لماذا نغتصب حق الله في الإدانة؟! الله وحده يدين، له أن يبرِّر وله أن يدين. هو يعرف حال كل واحد منَّا وإمكانيَّاتنا وانحرافاتنا ومواهبنا وأحوالنا واستعداداتنا. فله وحده أن يدين حسب معرفته الفريدة. أنه يدين أعمال الأسقف بطريقة، وأعمال الرئيس بطريقة أخرى. يحكم على أب دير، أو تلميذ له بطريقة مغايرة، الشخص القديم (له خبراته ومعرفته) غير طالب الرهبنة، المريض غير ذي الصحَّة السليمة. ومن يقدر أن يفهم كل هذه الأحكام سوى خالق كل شيء ومكوِّن الكل والعارف بكل الأمور؟] يكمل الأب دوروثيوس حديثه عن عدم الإدانة بعرض قصَّة يتذكَّرها عن سفينة كانت تحمل عبيدًا، إذ تقدَّمت عذراء قدِّيسة إلى صاحب السفينة واِشترت فتاة صغيرة حملتها معها إلى حجرتها لتدرِّبها على الحياة التقويّة كابنة صغيرة لها، ولم يمضِ إلا قليلاً حتى جاءت فرقة للرقص، اشترت أخت هذه الفتاة الصغيرة لتدرِّبها على أعمال اللهْو والمُجون والحياة الفاسدة... هنا يقف الأب دوروثيؤس مندهشًا، أن الفتاتين قد اُغْتصِبتا من والديهما، إحداهما تتمتَّع بمخافة الله تحت قيادة قدِّيسة محبَّة وأخرى بغير إرادتها اُغْتُصبت لممارسة الحياة الفاسدة. لهذا يتساءل: أليس لله وحده أن يدين الفتاتين بطريقة يصعب علينا إدراكها؟! فنحن نتسرَّع في الحكم، أما الله فعالم بالأسرار طويل الأناة، وحده قادر أن يبرِّر أو يدين. يعلّق القدِّيس كيرلس الكبير على كلمات السيِّد عن عدم الإدانة، قائلاً: [بينما يطلب منَّا التعمق في فحص أنفسنا حتى ينطبق سلوكنا على أوامر الله وتعاليمه نجد البعض يشغلون أنفسهم بالتدخُّل في شئون الآخرين وأعمالهم، فإذا وقفوا على خطأ في أخلاق الغير عمدوا إلى نهش أعراضهم بألسنة حدَّاد، ولم يدروا أنهم بذم الآخرين يذمون أنفسهم، لأن بهم مساوئ ليست دون مساوئ الغير في المذلَّة والمهانة. لذلك يقول الحكيم بولس: "لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين، لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك، لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها" (رو 2: 1). فمن الواجب علينا والحالة هذه أن نشفق على الضعيف، ذاك الذي وقع أسيرًا لشهواته الباطلة وضاقت به السُبل، فلا يمكنه التخلُّص من حبائل الشرّ والخطيّة. فلنصلِ عن مثل هؤلاء البائسين القانطين، ولنَمِدْ لهم يدْ العون والمساعدة، ولنَسعَ في ألاَّ نسقط كما سقطوا. فإنَّ "الذي يذم أخاه، ويدين أخاه، يذم الناموس ويدين الناموس" (يع 4: 11). وما ذلك إلا لأن واضع الناموس والقاضي بالناموس هو واحد، ولما كان المفروض أن قاضي النفس الشريرة يكون أرفع من هذه النفس بكثير، ولما كنا لا نستطيع أن ننتحل لأنفسنا صفة القضاة بسبب خطايانا وجب علينا أن نتنحَّى عن القيام بهذه الوظيفة، لأنه كيف ونحن خطاة نحكم على الآخرين وندينهم؟! إذن يجب ألا يدين أحد أخاه، فإن حدَّثتْك نفسك بمحاكمة الآخرين، فأعلم أن الناموس لم يُقِمك قاضيًا ومُحاكمًا، ولذلك فانتحالك هذه الوظيفة يوقِعك تحت طائلة الناموس، لأنك تنتهك حُرمته. فكل من طاب ذهنه لا يتصيَّد معاصي الغير، ولا يشغل ذهنه بزلاَّتهم وعثراتهم، بل عليه فقط أن يتعمَّق في الوقوف على نقائصه وعيوبه. هذا كان حال المرنِّم المغبوط وهو يصف نفسه بالقول الحكيم: "إن كنت تُراقب الآثام يارب يا سيِّد، فمن يقف" (مز 130: 3)، وفي موضع آخر يكشف المرنِّم عن ضعف الإنسان ويتلمَّس له الصفح والمغفرة إذ ورد قوله: "أذكر أننا تراب نحن" (مز 103: 14).] + + +
اليوم الرابع [ الخميس ] من الأسبوع الأول من الصوم الكبير
ارتباط القراءات النمــو الروحــى تدور فصول هذا اليوم جميعها حول موضوع واحد هو " النمو الروحى " أى نمو المؤمنين فى نعمة الأنجيل . فالنبوة الأولى تتكلم عن تفوق الأنجيل على الأوثان كما تنبأ عن ذلك إشعياء عند قيام مملكة المسيح ، والثانية عن اتجاه الجميع إليه كما اتجهت الأمم إلى أورشليم عند استعادة مجدها طالبين وجه الله . ويتكلم إنجيل باكر عن قوته على الطبيعة كما يتضح ذلك من سلطان المخلص على الريح والبحر ، وإنجيل القداس عن نمو من يقبلونه ويعملون به نموا روحيا وذلك بالقوة الألهية كما يطلع البذار وينمو بقوة الله . أما رسالة البولس فتتكلم عن ضرورة سلوك المؤمنين فى جدته كما حث بولس أهل كورنثوس على ذلك ، والكاثوليكون عن ثباتهم فيه كما أمر يوحنا الرسول بذلك ، والأبركسيس عن الآيات التى تتبع الذين ينادون به كما صنع فيلبس الكثير منها . النبوات .. من سفر زكريا 8الأصوام تتحول إلى أعياد«وكان إليَّ كلام رب الجنود قائلاً: هكذا قال رب الجنود: إن صوم الشهر الرابع وصوم الخامس وصوم السابع وصوم العاشر يكون لبيت يهوذا ابتهاجاً وفرحاً وأعياداً طيبة. فأحِبُّوا الحق والسلام» (ع 18، 19). كانت حياتهم الماضية قد اتسمت بالصوم مع النوح بسبب ما حل بهم من تأديبات بسبب خطاياهم ، والآن إذ يحل الرب فى وسطهم ويعلن سكناه فيهم يحول قلوبهم إلى الفرح وحياتهم إلى عيد لا ينقطع هكذا المسيحى الحقيقى وسط أصوامه والآمه إذ يدرك حلول الله فيه لا ينقطع عنه الفرح الداخلى ولا يتوقف العيد عن حياته . هنا يعود الرب فيُعطِي النبي رسالة أخرى يبدأها بما يتعلَّق بالأصوام. لقد أجاب الرب في الأصحاح السابع عن الأصوام، وكان رد الرب رداً سلبياً، حيث أوضح لهم أن صومهم لم يكن صوماً للرب بل كان في حالة المظاهر الشكلية. أما هنا فيُعطي الرب الجواب الإيجابي المُطابق لفكره من نحو البركة، وهو تحويل هذه الأصوام إلى أعياد وأفراح وابتهاج. وهذه الأصوام جميعها كان لها صلة بحصار أورشليم وخرابها كما نرى على النحو التالي: 1- صوم الشهر الرابع: يُشير إلى حصار أورشليم الثاني بواسطة نبوخذنصر، وفتح أبوابها له، أي أنه في هذا الشهر أُخِذَت المدينة «وفي السنة الحادية عشرة لصدقيا، في الشهر الرابع، في تاسع الشهر فُتِحَت المدينة. ودخل كل رؤساء ملك بابل .. » (إر 2:39،3). 2- صوم الشهر الخامس: يُشير إلى حرق المدينة والهيكل كما نرى في سفر الملوك الثاني «وفي الشهر الخامس، في سابع الشهر، وهي السنة التاسعة عشرة للملك نبوخذنصر ملك بابل، جاء نَبُوزَرَادَان رئيس الشرط عَبْد مَلِك بابل إلى أورشليم، وأحرق بيت الرب وبيت المَلِك، وكل بيوت أورشليم، وكل بيوت العظماء وأحرقها بالنار» (2مل 8:25-10). 3- صوم الشهر السابع: يُشير إلى قتل جدليا بن أخيقام بن شافان حاكم الأرض كما هو مذكور في سفر الملوك الثاني «وفي الشهر السابع جاء إسماعيل بن نثنيا بن أليشمع من النسل الملكي، وعشرة رجال معه وضربوا جدليا فمات ..» (2مل 25:25). 4- صوم الشهر العاشر: يُشير إلى الحصار الأول الذي حُوصرت فيه أورشليم كما نرى في سفر إرميا «وفي السنة التاسعة لملكه، في الشهر العاشر، في عاشر الشهر، جاء نبوخذنصر ملك بابل هو وكل جيشه على أورشليم ونزلوا عليها وبنوا أبراجاً حواليها. فدخلت المدينة في الحصار إلى السنة الحادية عشرة للملك صدقيا» (إر 4:52،5). فكل هذه الأيام كانت تحمل لليهودي تذكارات حزينة تُعِيد إلى ذهنه، ليس فقط النكبات القومية، بل أيضاً غضب الرب. فمُمارستهم لهذه الأصوام كانت دليلاً على الحزن والألم، كما يعترفون على أن كثيرين منهم كان قد أعياهم الصوم وطلبوا جَوَاباً من الرب. ورأينا إجابة الرب لهم في الأصحاح السابق، تلك الإجابة التي كشفت لهم عن التأديبات المُرعبة التي أصابت الأمة، وفي الوقت ذاته وضع الرب قدامهم شرط البركة. أما هنا في هذا الأصحاح فنرى الرب له المجد يبعث إليهم بزكريا ليقول لهم إنه سيأتي الوقت الذي ستصير فيه كل الأصوام فرحاً وبهجة وأعياداً طيبة. صحيح أن هذا الوقت لم يكن قد جاء بعد، لكنه آتٍ بكل يقين، وإلى أن يأتي، يجب أن يكون الصوم تعبيراً صحيحاً عن حالتهم. لكن في ذلك الوقت سوف يُعطيهم الرب «جَمَالاً عِوضاً عن الرماد، ودُهن فرح عِوضاً عن النوح، ورداء تسبيح عِوضاً عن الروح اليائسة» (إش 3:61). كان الفريسيون في أيام الرب له المجد قد اشتكوا من أن تلاميذه لا يصومون فأجابهم الرب بأنهم لا يقدرون أن يصوموا والعريس معهم ولكن متى رُفِع عنهم العريس فحينئذ يصومون في تلك الأيام (مت 14:9،15). هكذا مع اليهود، فقد كان الصوم تعبيراً صادقاً لحالتهم ما دام الرب لم يرجع في مجده ليسكن مرة أخرى في أورشليم، غير أن ذلك الوقت سيأتي وعند ذلك، وليس قبل ذلك، سوف تتحوَّل أصوامهم إلى أعياد وبهجة وتسبيح.
إقامتهم بركة للأمم : هنا الرب يفسر لهم كيف يكونون بركة ، إذ يقول : «هكذا قال رب الجنود: سيأتي شعوب بعد، وسكان مدن كثيرة. وسكان واحدة يسيرون إلى أُخرى قائلين: لنذهب ذهاباً لنترضَّى وجه الرب ونطلب رب الجنود. أنا أيضاً أذهب. فتأتي شعوب كثيرة وأمم قوية ليطلبوا رب الجنود في أورشليم، وليَترَضَّوا وجه الرب» (ع 20-22). نرى هنا البركة الشاملة التي ستصاحب رجوع الرب إلى شعبه، فسيتمتعون بالبركة تحت حكم مسيحهم. وفي هذه الحالة لا بد أن يصيروا واسطة بركة لكل سكان الأرض. والهيكل الذي سيعود الرب ويبنيه سيصبح مركز جاذبية لكل الشعوب فيذهبون مُسرعين وباستمرار ليطلبوا وجه الرب ويُصلُّوا قدام الرب. يختم حديثه عن البركة أن يمسك عشرة رجال من جميع ألسنة الأمم بذيل رجل يهودى قائلين " .. نذهب معكم لأننا سمعنا أن الله معكم " . هذه صورة العروس القائلة فى النشيد : " اجذبنى وراءك فنجرى " ، فإذ تنطلق نحو عريسها تحمل معها عشرة أشخاص تقتنيهم للرب بحياتها المقدسة وشهادتها للرب . + + + مزمور باكر : للرب الأرض وكمالها المسكونة وجميع الساكنين فيها . هو على البحار أسسها وعلى الأنهار هيأها : هلليلويا
+ + +
البولس .... 1 كو 4 : 16 – 5 : 9
"فأطلب إليكم أن تكونوا متمثلين بي" [16]. يسألهم أن يتمثلوا به كما هو بالمسيح (1 كو 11: 1). :انه يقول: "إني تلميذ المسيح، أريدكم كأبناء لي لا أن تكونوا تلاميذي بل تلاميذ المسيح نفسه الأمناء. بكل أمانة قد جلس في السماويات ويسلك نحو السماء". إنه يسألهم أن يتمثلوا به فيحملوا معه ذات الخبرة، ويسلكوا نفس الطريق. هنا لم يطلب الرسول بولس من الخدام والشعب أن يطيعوا وصاياه بل كأطفال يقلدون أباهم عمليًا ويحملون روحه. حقًا كثيرًا ما نجد من يقدم تعاليم ووصايا لكن قليلين هم الذين يقدمون حياتهم عظة عملية للمخدومين. يرى ثيؤدرت أسقف قورش أن الرسول هنا يدعوهم للاقتداء به في تواضعه واحتماله الآلام فيجدوا مجدهم في قبولهم المصاعب بفرحٍ لا في نوالهم مواهب معينة. + يقول بولس للكورنثوسيين: "تواضعوا كما أنا متواضع. احتملوا الآلام كما أتألم أنا. فإنكم ستكافئون لا على مواهبكم بل على آلامكم". العلامة أوريجينوس+ يود بولس أن يكونوا مقتدين به في تلك الأمور, كما احتمل مصاعب من غير المؤمنين لأجل خلاصهم ولا يزال يحتمل ما دام يكرز بعطية نعمة اللَّه المجانية ليلاً ونهارًا, حتى يبقوا في إيمانه وتعليمه ولا يقبلوا التعاليم الشريرة التي للرسل الكذبة. أمبروسياسترإرساله تيموثاوسيوبخ الرسول أولئك الذين أشاعوا بأنه لم يرد أن يزورهم بل اكتفي بإرسال الشاب تيموثاوس استهانة بهم. "لذلك أرسلت إليكم تيموثاوس الذي هو ابني الحبيب والأمين في الرب، الذي يذكركم بطرقي في المسيح كما أعلِّم في كل مكان في كل كنيسة" [17]. أرسل إليهم تلميذه الشاب تيموثاوس ليس استخفافًا بهم لكنه هو الابن الحبيب والابن في الرب، قادر أن يذكرهم بكلمات الرسول وسلوكه العملي في الرب. دعاه ابنه لأنه قبل الإيمان بالسيد المسيح علي يديه (أع 14: 6- 7). ما يقدمه القديس تيموثاوس ليس بالأمر الجديد إنما يجدد أذهانهم ليتذكروا ما سمعوه وما رأوه في الرسول بولس. هذا وأن ما كرز به الرسول في كورنثوس هو بعينه قدمه في كل مكان: الحق الإنجيلي الواحد. فإن الإنجيل هو طريق كل عصر ويناسب كل إنسانٍ، فالسيد المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلي الأبد (عب13: 8). لم يقل أنه يعلمكم لئلا يتضايقوا بسبب صغر سنه إنما يذكرهم بما علمهم به الرسول بولس. + بقوله: "طرقي في المسيح" يعني بولس أعماله الصالحة التي أخذت شكلاً ثابتًا. إنه يخبر الكورنثوسيين أن يتذكروها, فإنها تحمل شهادة ذاتية ولا تحتاج إلى من يعلم بها. العلامة أوريجينوس+ حقًا إن محبته له (لتيموثاوس) واضحة في كل موضع (1 كو 17:4؛ 1 كو 10:16-11؛ عب 23:13). القديس يوحنا الذهبي الفموعده بزيارتهم"فانتفخ قوم كأني لست آتيًا إليكم" [18]. + كان بعض الكورنثوسيين غاضبين لأن بولس لم يأتِ إليهم, ليس لأنهم كانوا يريدونه، وإنما لأنهم كانوا متكبرين، وكانوا يظنون أن بولس يحسبهم غير أهلٍ لزيارته لهم. في الواقع كان بولس يود أن يذهب لكنه كان مشغولاً بأعمال أهم. أمبروسياستر"ولكني سآتي إليكم سريعًا إن شاء الرب، فسأعرف ليس كلام الذين انتفخوا بل قوتهم" [19]. يتحدث هنا عن بعض المعلمين الذين ظنوا في أنفسهم شيئًا، فسلكوا بروح العجرفة، وأشاعوا بأن بولس يحتقرهم ويرفض زيارتهم. في خطته أن يذهب إليهم لكنه لن يجزم بذلك، لأنه أداة في يد الرب الذي يقوده حسب مشيئته. أخبرهم ماذا سيفعل عندما سيأتي إليهم. إنه لا يدخل مع المتعجرفين المقاومين له في حوار، لكن حضوره سيكون إجابة وافية مقنعة وقوية ضد افتراءاتهم عليه. من جهة يعدهم الرسول بالزيارة لكى يتهيأوا باصلاح أمورهم في الرب, وفي نفس الوقت يؤكد أنه لا يتحرك بدون مشيئة اللَّه. + ليس الكلام اللطيف هو الذين يعلن عن حضرة ملكوت اللَّه بل القوة. متى وجدت قوة في الكلمات يكون الملكوت حاضرًا فيها. العلامة أوريجينوس+ يقدم بولس وعده بأنه سيأتي بارادة اللَّه, لأن اللَّه يعرف أكثر من الإنسان. إن كان هناك نفع لزيارة بولس لكورنثوس فسيكشف اللَّه عن ذلك. أما إذا لم يتحقق ذلك فليعلم الكورنثوسيون أن اللَّه لا يشاء هذا. أمبروسياستر "لأن ملكوت اللَّه ليس بكلامٍ بل بقوةٍ" [20]. ملكوت اللَّه هو تمتع بالحياة المُقامة في المسيح يسوع، والتي تحول المؤمن كما إلي كائنٍ سماوي، يحمل روح القوة. + إننا نصير متساوين مع الملائكة. يٌقدم لنا الملكوت فنُحسب متحدين مع المسيح. إننا نعلم أننا بدون الفضيلة نصير أدنى من الحيوانات العاقلة، لذا يليق بنا أن نتدرب أن نكون بشرًا، لا بل بالأحرى نكون ملائكة، لكي ننعم بالبركات الموعود بها خلال نعمة ومحبة بنا يسوع المسيح. + يمكننا إن أردنا وبمعونة نعمة اللَّه العاملة فينا أن ننافس بأرواحنا الأرواح السماوية، بل وقد نفوقها. القديس يوحنا ذهبي الفم+ لا تكفي الكرازة بملكوت اللَّه للخلاص, إنما يليق بالشخص أن يسلك الطريق اللائق بالملكوت. ثيؤدورت أسقف قورش+ يليق بنا ألا نخدع أنفسنا بالأمان الكاذب, ظانين أن الإيمان دون التجاوب معه بأعمال صالحة يمكن أن يخلصنا في يوم الدينونة. قيصريوس أسقف آرل"ماذا تريدون؟ أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟" [21]. ما هي العصا التي لا يريد الرسول بولس أن يستخدمها سوي سلطانه الرسولي للتأديب، لقد قدم لهم حق الخيار بين استخدامه السلطان الرسولي الأبوي أن أصروا علي العناد والمقاومة، أو استخدام روح اللطف والحنو إن أظهروا توبة ورجوعًا إلى الحق. بالنسبة له فهو يفضل الاختيار الأخير لا الأول، لكن الأمر بين يديهم، وهم أصحاب القرار الأخير. في قصتي حنانيا وسفيرة وعليم الساحر وغيرهم واضح أنه كان للرسل سلطان التأديب العلني للعصاة لكي يكونوا عبرة للكل. + هكذا يعلم بولس ويسير في خطوات سيده مقدمًا مقاله حسب احتياجات تلاميذه، فيستخدم تارة السكين والمشرط وأحيانًا الأدوية البسيطة. القديس يوحنا ذهبي الفم+ لا تعني العصا عدم وجود المحبة, ولكن المحبة مخفية وراء ضرباتها, ولا يدركها ذاك الذي تسقط عليه. العلامة أوريجينوس + يشير بولس أولاً إلى العصا لكي يعطيهم بعد ذلك الراحة بروح الوداعة. القديس أمبروسيوس+ يقصد بولس بالعصا قوة الروح المُلزمة, التي اعتاد أن يستخدمها ضد عليم, والتي استخدمها اللَّه ضده. سفيريان أسقف جبالةمن وحي 1كو4 هب لي روح الأبوة يا أب كل البشرية
+ في أحضانك الإلهية أجد دفء الحب، اجتمع مع كل مؤمن بروح الوحدة الحقّة، واشتهي أن أجد كل البشرية معي! + حسبتني خادمًا لك، ووكيل أسرارك الإلهية. وأي خدمة ألتزم بها سوى الكرازة بالحب؟ وأية أمانة أقدمها لك سوى ممارسة الحب؟ هب لي القلب المتسع، فيحمل أيقونة حبك، ويضم كل نفسٍ إليك. هب لي أن أكون سفيرًا بالحب العملي، يا أيها الحب الحق! + في أحضانك أنشغل بما يشغل قلبك، أنشغل بخلاص كل نفس! فلا أجد فرصة لإدانة خادم أو مخدوم! لا أطلب في حب استطلاع أن أعرف ما في قلوبهم، ولا أتعجل يوم الدينونة، ولا أسرق كرسي حكمك! هبني بالبساطة أرى في كل أحد بهاء مجدك. أراك في الجميع فتفرح نفسي بك، ولا يتسلل فكر الدينونة إلى قلبي! + عِوض الإدانة أقدم ذبيحة شكر لك. أراك مصدر كل موهبة روحية لي ولكل خادم، بل ولكل مؤمن! قلبي يرنم لك تسبيحًا جديدًا. ونفسي تغني لك أغنية فائقة. ولساني يلهج دومًا بالشكر لك. لم تنقصني وأخوتي شيئًا، ولم تعوزنا من مواهبك، بل بكل فيض تهب ولا تعير! + مع كل أغنية شكر أقدم تسبحة المحبة. اشتهي أن يملك الجميع بدوني، وأن يتمجد الكل على حسابي، ويستريح الكل وسط آلامي معك. ليغتنوا، أما أنا فغِناي هو شركة فقرك. ليتمجدوا، فعاري هو شركة عار صليبك! + حكموا عليك بالموت يا واهب الحياة. فلماذا تئن نفسي إن حسبوني منظرًا للتسلية. ولماذا أتضايق إن صرت منظرًا للناس والملائكة. لأُطرد، وأموت معك. فأحسب عارك مجدًا فائقًا. + هب لي روح الأبوة يا أب كل البشرية. لاحتضن الكل في أحشائي، يا من تحتضني في أحشائك. لأحب الكل أكثر من النور الزمني، فأشاركك حبك يا من سلمت نفسك من أجلي! + ماذا أطلب منك يا أبي؟ لن أطلب إلا أن أكون أيقونة حيّة لك. كل ما في داخلي أبوة مُحِبْة وحكيمة! تكملة البولس ... 1 كو 5 : 1 – 9 الانحطاط الخلقي إذ كان الرسول يهتم بوحدة الكنيسة خلال الصليب والسلوك الروحي خاصة التواضع اهتم بقداسة كل عضوٍ. فإنه لن تتحقق الوحدة الصادقة بدون القداسة حيث يتحد الكل في الله الواحد القدوس. ففي حزمٍ شديدٍ طلب عزل الخميرة الفاسدة، مؤكدًا أنه من واجب الكنيسة أن تدين من هم بالداخل من هم بالخارج، إذ يقول "فاعزلوا الخبيث من بينكم" (13:5). يتطلع الرسول إلى الكنيسة كمن في حالة عيدٍ، تحتفل دائمًا بعيد الفصح الحقيقي. والمسيح هو فصحها، أي عيدها الدائم، ولا يمكن أن يُحتفل بالعيد بخميرة فاسدة. فرحنا لن يتحقق مع وجود الفساد المحطم للسلام مع الله. هكذا يربط الرسول بين الوحدة الكنسية والحياة المقدسة والفرح الدائم، فهذه الأمور الثلاثة تقدم صورًا عملية للحياة السماوية، وتحقق للكنيسة شخصيتها كأيقونة السماء. جريمة فاضحة!
بعد أن عالج الرسول بولس مشكلة الانقسامات التي حلت بكنيسة كورنثوس قدم قضية لجريمةٍ فاضحةٍ أساءت إليهم جميعًا. قبل أن يناقش موضوع "خميرة الشر" التي يجب عزلها أوضح الرسول بولس أمرين: الأول أُبوّته في المسيح يسوع (15:4) التي كلفته موته اليومي من أجل خلاص النفوس. والثاني هو ملكوت اللَّه أنه ليس بكلام بل بقوة (20:4). حياتنا هي تمتع ببرّ المسيح، هذا البرّ نناله منه ونمارسه لأجله. هو خبرة يومية تعيشها الكنيسة كعروس للعريس البار، لذا فهي تحرص على عزل الخمير الفاسدة لا للعقوبة، وإنما لتأديب الفاسد حتى ينحل فساده ويتمتع ببرّ المسيح خلال التوبة الصادقة.
1. خطورة القضية"يُسمع مطلقًا أن بينكم زنى، وزنى هكذا لا يُسمى بين الأمم حتى أن تكون للإنسان امرأة أبيه" [1]. كلمة "زنى" هناporneia تحمل المعنى الواسع للزنا وعدم الطهارة، خاصة الزنا في صورته البشعة. يظن البعض أن هذه السيدة كانت أممية قبلت اليهودية، وبحسب الشريعة اليهودية فإن مثل هذه السيدة في حل من كل علاقاتها الماضية حتى زوجها غير المؤمن، فمن حقها أن تطلق رجلها وتتزوج مؤمنًا حتى وإن كان ابنا لزوجها غير المؤمن. بالرغم من إنها قد تكون حالة فردية لكن يليق بالكنيسة أن تقف في حزمٍ ضد فسادٍ كهذا. هنا نتلمس كيف لم يستطع الرسول بولس أن يشتم رائحة الزنا تفوح من عضوٍ في الكنيسة، سواء كان قائدًا أو من الشعب. فإن كانت الطهارة أو القداسة هي العين التي بها نعاين القدوس، فإن الزنا يعكر القلب فلا يعاين اللََّه. + أحرص على طهارة جسمك وسلامة قلبك، فإنك إن تحققت من نوالهما تبصر اللََّه ربك. + حب السلام والطهارة فتتأهل لمعاينة وجه الرب إلهك. + كما أن البخور يعطي لذة للأنف، هكذا يُسر الروح القدس بالطهارة ويسكن في الإنسان. مار إفرام السرياني
+ الطهارة هي تأله البشر، زينة الفضائل، تكريس الجنس، رباط العفة، ينبوع النقاء، راحة المسكن، تاج التآلف... الطهارة لا تبحث عن شيء يزينها، لأنها هي بهاء ذاتها. إنها توصي الرب بنا، وتجعلنا متحدين مع المسيح... بعكس عدوتها، النجاسة، المبغوضة دائمًا، صانعة بقعة قذرة وقبيحة لمن يخدمونها، غير تاركة الأجساد ولا النفوس من قذارتها. لأنه حينما يسود طبعها تجعل الإنسان كله تحت نير شهوتها... تبدأ بالإغراء وتنتهي بخرابٍ عظيم للنفس التي استمالت نحوها القديس كبريانوسلم يوجه الرسول اللوم إلي زوجة الأب، ربما لأنها لم تكن قد قبلت الإيمان بالسيد المسيح. أجرة الخطية بلا شك أن هي موت، فلماذا يقول الرسول: "زنا هكذا"؟ تميز الكنيسة بين السقوط في الخطية عن عمدٍ، والسقوط عن ضعفٍ. وبين السقوط مع شخصٍ غريبٍ والسقوط مع شخص من المحرم الزواج بهم كالابنة أو الابن أو أحد الوالدين أو زوجة الأب أو زوج الأم الخ. + نتعلم من هذا أنه توجد أنواع كثيرة من الزنا, بعضها أكثر خطورة من الأخرى. عندما يدينها اللَّه, فإنه يضع في الاعتبار عوامل الخطورة ويجعل العقوبة مختلفة حسبها. في هذه الحالة يعلمنا بولس بأنه حتى وإن تم زواج شرعي, فإنه إن كان ذلك ضد شريعة اللَّه يُحسب الزواج زنا ويستحق الدينونة. العلامة أوريجينوسيري البعض أن ما ارتكبه هذا الشخص يرفضه حتى الأمم، وبحسب الشريعة الموسوية يستحق الموت، فكيف يتجاسر مؤمن مسيحي أن يرتكب مثل هذه الخطية؟ + كان هذا الشخص مستحقًا الموت (حسب الشريعة الموسوية) بسبب جريمته, وأما الذين كانوا يسندونه فهم أيضًا غير أبرياء. أمبروسياستر2. قطع الفساد"أفأنتم منتفخون؟ وبالحري لم تنوحوا حتى يُرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل" [2]. يبدو أن هذا الزاني كان قائدًا بليغًا، له موهبة الكلام، فكانوا يفتخرون به عوض أن ينوحوا عليه ويعزلوه. ويرى البعض أن فريقًا مضادًا إذ سمعوا عن زناه افتخروا بأنه لا يوجد بينهم فساد مثل هذا، فكانوا يعيرون الفريق الأول بدلاً من الاهتمام بخلاص نفسه والبكاء عليه. هذه هي إحدى ثمار الانقسام أن يعير كل فريق الآخر بضعفاته عوض الاهتمام بقداسة الكنيسة كلها. "يُرفع من وسطهم" تعني عزله أو حرمانه من العضوية الكنسية. + يحدر بولس كبرياءهم لكن بطريقة بها يرغبون في التعاون معه ولا يكونوا غاضبين. أمبروسياستر"فإني أنا كأني غائب بالجسد ولكن حاضر بالروح قد حكمت، كأني حاضر في الذي فعل هذا هكذا" [3]. اعتبر الرسول بولس أنه حاضر بالروح بالرغم من غيابه بالجسد بكونه الكارز الأول لهذه المدينة، فإذ ينعقد مجمع كنسي لبحث هذه القضية يحسب نفسه مسئولاً عن الكنيسة حاضرًا في المجمع بروحه كرئيسٍ له. + لاحظوا طاقته، فإنه لم يسمح لهم بالانتظار إلى حين حضوره، ولا أن يستقبلوه أولاً وبعد ذلك يصدر الحكم... ولكن كمن ينتزع العدوى قبل أن تنتشر في بقية الجسم فأسرع بحصرها. + هذا هو معنى أنه حاضر بالروح، كما كان إليشع حاضرًا مع جيحزي وقال له: "ألم يذهب قلبي معك؟" (2مل26:5) يا للعجب! يا لعظمة قوة هذه العطية إذ تجعل الكل معًا كأنهم واحد، وتؤهلهم لمعرفة الأمور البعيدة: "قد حكمت كأني حاضر". القديس يوحنا ذهبي الفم"باسم ربنا يسوع المسيح إذ أنتم وروحي مجتمعون، مع قوة ربنا يسوع المسيح" [4]. باسم ربنا يسوع المسيح بكونه رأس الكنيسة، وبسلطانه يتم كل أمر. حضوره بروحه ليحكم علي هذا الزاني ربما يقصد به سلطانه الرسولي الذي تسلمه من الرب. + لئلا يظنوا أنه متسلط جدًا وأن نغمة صوته تحمل تشبثًا برأيه لاحظوا كيف جعلهم شركاء معه في الحكم. + ما هو هذا؟ "إذ أنتم مجتمعون باسم الرب"، بمعنى: "اسمه الذين فيه تلتقون وتجتمعون معًا" ومع "روحي". مرة أخرى يقيم نفسه كرأس لهم حتى يصدر الحكم. فإنه ليس لهم إلا أن يقطعوا العاصي كأنه حاضر، وإلا يتجاسر أحد ويحكم عليه بالعفو، واضعًا في اعتباره أن بولس يعلم كل التفاصيل والحيثيات. القديس يوحنا ذهبي الفم+ كان يليق بالكورنثوسيين أن يعزلوا هذا الرجل ليس فقط بالموافقة الجماعية بينهم، وإنما أيضًا في قوة المسيح التي كان بولس وكيلاً لها. أمبروسياستر"أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد، لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" [5]. يرى البعض أنه إذ يشعر الزاني بأنه قد عُزل من الكنيسة يصير في مرارة نفس، ويشعر كأن الموت قد حلّ به، فيهزل جسده جدًا، أو يقبل حياة الإماتة، ويصير في حكم الموت، بهذا يرجع إلي نفسه بالتوبة ويتمتع بخلاص نفسه. ويرى آخرون أن الرسول بولس يطلب بسلطانٍ رسوليٍ من السيد المسيح أن يسمح لهذا الزاني أن يُسلم لأمراض جسدية ومتاعب حتى يصير كمن في حكم الموت وكمن هو تحت سلطان إبليس، فيكون ذلك فرصة لعودة قلبه إلي مخلصه. أشار التلمود إلي درجات للعزل أو الحرمان التالية: + nidduy منع الشخص من أن يأكل مع آخرين لمدة معينة، غالبًا ثلاثين يومًا. + cherem أناثيما لمدة 90 يومًا. + shamata استقصاء دائم من الجماعة المقدسة. يرى آباء الغرب أن الكتاب المقدس يقدم لنا مملكتين لا ثالث لهما، هما ملكوت اللَّه ومملكة إبليس، فتسليم الشخص للشيطان إنما يشير إلى عزله من الكنيسة، مملكة اللَّه، فيكون منتميًا إلى مملكة إبليس التي اختارها بإصراره علي شره ورفضه التوبة، حتى متى أدرك حاله يتوب فيرجع إلي مملكة اللَّه وتخلص نفسه. لعل هذا التعبير يشير إلي السماح بتأديب الشخص أو دخوله في ضيق، كقول اللَّه للشيطان عن أيوب: "ها هو في يدك ولكن احفظ نفسه" (أي 2: 6). وقول الرسول بولس: "هيمينايس والإسكندر اللذان أسلمتهما للشيطان لكي ويُؤدبا حتى لا يجدفا" (1 تي 1:20). لم يقل لهلاك الجسم بل لهلاك الجسد مشيرًا إلى إماتة شهوات الجسد، أما الجسم فيشارك النفس المجد الأبدي، فإن الجسد الفاسد لا يرث ملكوت اللَّه. "هلاك الجسد" لا يعني موته أو هلاك جسمه، إذ عاد الرسول يطلب من أهل كورنثوس أن يردوه إلى شركتهم (2 كو 2:7). إنما يقصد هنا أعمال الجسد كقول الرسول: "وأعمال الجسد ظاهرة التي هي زنى عهارة نجاسة دعارة" (غلا 5:20). إذن يقصد هلاك شهوات الجسد الفاسدة. + لم يقل أنه "ييأس منه" بل "يُسلّم" للشيطان، فيفتح أمامه أبواب التوبة، ويسلمه كما لناظر مدرسة. يقول: "مثل هذا" دون ذكر اسمه. "لهلاك الجسد" كما حدث في حالة الطوباوي أيوب، ولكن ليس على نفس الأساس؛ لأنه في الحالة الأخيرة كانت له أكاليل بهيّة، أما هنا فلأجل إزالة الخطايا وبعض الأمراض الأخرى. القديس يوحنا ذهبي الفميجيب القديس يوحنا ذهبي الفم على السؤال: ألم يكن في سلطان الرسول أن يعاقب؟ + لم يكن هذا لكي يٌعاقبوا بل لكي يتعلّموا. فإنه قد أظهر أن له سلطان كما جاء في عبارات أخرى: "ماذا تريدون: أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟" (1 كو 21:4). مرة أخرى يقول: "لكي لا استعمل جزمًا وأنا حاضر حسب السلطان الذي أعطاني إيّاه الرب للبنيان لا للَّهدم" (2 كو 10:13). لماذا إذن دعا الشيطان ليعاقبهم؟ لكي يكون عارهم أعظم فيكون الضيق والعقوبة أكثر إثارة. القديس يوحنا ذهبي الفم+ إن كان أحد ما قد مُنع من الصلاة (الجماعية) بسبب خطأ ما قد ارتكبه، فليس من حق أحد أن يصلي معه قبل إتمام ندامته على أساس سليم، ويتمتع بالمصالحة والعفو عن معصيته علانية بواسطة الأب قدام جميع الاخوة. فإنه بهذه الخطة يعزلون أنفسهم عن الشركة معه في الصلاة للسبب التالي. فإنهم يعتقدون أن الذي مُنع من الصلاة كما يقول الرسول: "سُلِّم للشيطان". فإن تحرك أحد بعاطفة شريرة وأقام شركة معه في الصلاة قبل أن يقبله الشيخ يجعل من نفسه شريكًا معه في اللعنة التي حلَّت به، ويُسلِّم نفسه بكامل إرادته للشيطان الذي سُلِّم له الآخر من أجل تصحيح جريمته. وهو بهذا يسقط في معصية أكثر خطورة، لأنه بالاتحاد معه خلال الشركة سواء بالكلام أو الصلاة يعطيه فرصة ليبقى في تشامخه ويشجع العاصي ليجعله أكثر عنادًا. القديس يوحنا كاسيان+ ينتقد أتباع ماني العهد القديم ولا يعترفون به لأجل تلك الأحكام (التأديبية). ولكن عليهم أن يتأملوا ما قاله بولس الرسول بخصوص الخاطئ الذي أُسلم إلى الشيطان لهلاك الجسد "لكي تخلص الروح" (1 كو 5:5). ورغم أن هذا النص لا يُفهم منه موت الجسم إلا أن الرسول كان يفرض هذا التأديب لا عن كراهية بل في حبٍ كما يتضح من قوله "لكي تخلص الروح". القديس أغسطينوس+مفرحًا، فإنه لأجل نفعنا كما من أبٍ فائق الحنان وطبيب عظيم الترفق. ولهذا فإن البشر كما لو كانوا تحت عناية معلمين يُذلون هنا حتى إذا ما رحلوا من هذا العالم يصيرون في الحياة الأخرى في حال أعظم نقاوة. إنهم ينالون هنا عقابًا خفيفًا حتى كما يقول الرسول: يُسلمون في الوقت الحاضر "للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1 كو 5:5). الأب سيرينوس3. نزع الخميرة العتيقة"ليس افتخاركم حسنًا. ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمر العجين كله؟" [6]. إذ كان هذا الرجل في مركز قيادي فإنه وإن أخطأ كحالة فردية لكنه يمثل خميرة تفسد العجين كله، أي يجلب فسادًا علي كنيسة اللَّه. + إن لم يُعزل هذا الشخص لن تخلص روح الكنيسة في يوم الدينونة, لأن مصدر العدوى قد أصاب الكل. + كما أن خطية شخص واحد تعدي الكثيرين إن لم تُعالج في الحال متى اُكتشفت، هكذا تكون أيضًا خطية الكثيرين متى عرفوها ولم يحيدوا عنها أو يتظاهروا كمن لم يلاحظوها. تبدو الخطية كأنها ليست خطية إن لم تُصحح أو يتجنبها الشخص. أمبروسياستر+ لا يُؤخذ هذا بمعنى حرفي. ما يعنيه بولس أن هذا الشخص يُعزل من الكنيسة، فيلتزم أن يحيا في العالم الذي يسيطر عليه الشيطان. بهذه الوسيلة سيتعلم مخافة الرب ويهرب من العقوبة العظمى المقبلة. ثيؤدور أسقف المصيصة+ يسلم بولس للشيطان من هم قد جدفوا بكامل إرادتهم. القديس جيروم+ إنه لا يعني أنه يسلمه لقوى الشرير, بل بالأحرى إلى شرور هذه الحياة مثل الأمراض والأحزان والآلام والظروف الأخرى المنسوبة للشيطان. هذا المعنى هو ما استخدمه بولس. ما يعنيه أن هذا الإنسان يلزم أن يُطرد ليواجه متاعب الحياة. سفيريان أسقف جبالة+ نتعلم من هذا أن ابليس يقتحم الذين انفصلوا عن جسد الكنيسة إذ يجدهم محرومين من النعمة. ثيؤدورت اسقف قورش+ "خميرة صغيرة": لست أود أن أُكمّل العبارة، بل بالأحرى أرغب أن أتوسل إليكم وأنصحكم أن تتحول الخميرة ذاتها إلى ما هو أفضل، لئلا تغير العجين كله إلى ما هو أردأ كما حدث فعلاً. القديس أغسطينوس"إذًا نقوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينًا جديدًا كما أنتم فطير، لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذُبح لأجلنا" [7]. يطلب النقاوة من الخميرة العتيقة لكي تكون الكنيسة كلها بوجه عام طاهرة ومقدسة للرب، لا تضم أعضاء فاسدين ودنسين. هكذا يليق بالكنيسة ككلٍ كما بكل عضوٍ فيها أن يحفظ حياة الطهارة والنقاوة في الرب. إذ قتل اليهود السيد المسيح (الفصح الحقيقي) حفظوا العيد بفطيرٍ بلا خميرة، أما نحن فيليق بنا أن نحفظ عيدنا لا لمدة سبعة أيام بل كل أيام حياتنا بلا خميرة من الفساد. يليق بنا أن نموت مع مخلصنا عن الخطية، ونحمل شبه موته بالإماتة عن الخطية، ونتمتع بقوة قيامته بتمتعنا بالحياة الجديدة المقدسة في الرب، في الداخل كما في الخارج. يسألهم لا أن ينزعوا الخميرة الفاسدة التي يتحدث عنها هنا "الزنا" بل كل خميرة فاسدة، أي كل خطية، لأنهم إذ قبلوا الولادة الجديدة صاروا "فطيرًا" لا موضع للفساد فيهم. فلا يليق بهم أن يعودوا ويسمحوا للشر أن يدخل في حياتهم ويفسد طبيعتهم الجديدة، الإنسان الجديد المخلوق علي صورة المسيح. كما كان يلزم لليهود أن ينزعوا كل أثر للخميرة من مساكنهم حتى يعيدوا الفصح، هكذا يليق بنا نحن أن ننزع كل فسادٍ في حياتنا مادمنا نعيد بالمسيح فصحنا. وكما كان الحمل رمزًا للسيد المسيح حمل اللَّه الحامل خطية العالم، هكذا ترمز الخميرة إلي الفساد الذي يلزم نزعه من القلب. + كان اليهود دائمًا ينسون إحسان اللَّه لهم. لهذا فإن اللَّه ربط معنى هذه الأمور، إحسانه، ليس فقط بزمنٍ معينٍ بل وبعاداتهم مثل الأكل. لهذا كانوا يأكلونه متمنطقين وأحذيتهم في أرجلهم (خر 11:15). فإن سُئلوا عن السبب يقولون: كنا مستعدّين للرحلة، كنا على وشك الخروج من مصر إلى أرض الموعد، كنا مستعدّين لخروجنا. هذا إذن هو الرمز التاريخي. لكن الحقيقة هي أننا نحن أيضًا نأكل فصحنا المسيح، لأنه قد ذبح لأجلنا [7]. ماذا إذن؟ يلزمنا أن نأكله متمنطقين وأحذيتنا في أرجلنا. لماذا؟ لكي نكون نحن أيضًا مستعدّين لخروجنا، لرحيلنا من هنا. + لنشرح لماذا نُزعت الخميرة من كل الجوانب. ما هو معناها الخفي؟ يليق بالمؤمن أن يهرب من كل شر. فكما يفسد (العجين) متى وُجدت فيه خميرة قديمة هكذا نحن أيضًا إذ وُجد فينا شر فستكون العقوبة عظيمة. + لدي اقتناع قوي بأن القول بخصوص الخميرة يخص أيضًا الكهنة الذين يسمحون بالتعامل مع الخميرة القديمة أن تكون في الداخل ولا ينزعونها خارج حدودهم، أي خارج الكنيسة، الطمّاعين والعنفاء وكل المُستبعدين من ملكوت السموات. فالطمع حتمًا هو خميرة عتيقة، ومهما بدا بسيطًا ودخل أي منزل يجعله غير نقي؛ ربما تكسب قليلاً لكن بظلمك يختمر الكل! القديس يوحنا ذهبي الفم+ أنه بسبب هذه البداية للحياة الجديدة، بسبب الإنسان الجديد الذي أمرنا أن نلبسه ونخلع الإنسان العتيق (كو 9:3-10) يلزمنا أن ننقي الخميرة العتيقة لكي تكون عجينًا جديدًا، لأن المسيح فصحنا مُقدس لأجلنا (1كو7:5). القديس أغسطينوس+ للخميرة العتيقة هنا معنى مزدوج. فمن جانب تشير إلى التعليم الخاطئ كما حذر يسوع تلاميذه أن يتحرزوا من خمير الفريسيين (مت 16: 6- 12؛ مر 8 : 15؛ لو 12 : 1). ومن جانب آخر تشير أيضًا إلى خطية الزنا التي يعالجها هنا. يعلم بولس أن الفصح هو ذبيحة وليست خروجًا كما يظن البعض. الذبيحة تأتي أولاً, وبعد ذلك يصير ممكنًا الانتقال من الحياة العتيقة إلى الحياة الجديدة. لهذا السبب فإن الصليب هو الحقيقة المخلصة التي أشار إليها فصح العهد القديم. أمبروسياستر"إذا لنعيد ليس بخميرة عتيقة، ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق" [8]. يحذرنا الرسول من الاستهانة بأية خطية مهما بدت تافهة، فإنها كالخميرة تفسد العجين كله، سواء علي مستوى الفرد أو الجماعة. مسيحنا هو الحمل الذي بلا عيب، الفصح الطاهر، مات لكي نكون نحن طاهرين، قدس القدوس نفسه لأجلنا لكي نكون له قديسين. يقدم لنا الرسول بولس مفهومًا جديدًا للحياة المسيحية، وهي احتفال مستمر ودائم بعيد الفصح مادمنا نقبل صلبه وموته ونختبر قيامته كل يومٍ. الحياة الكنسية هي عيد مفرح عل الدوام إذ هي شركة مع المسيح مصدر فرحنا الحقيقي. + إنه عيد، كل أيام حياتنا. فمع قوله "لنحفظ العيد" فإنه لم يقل هذا بخصوص حلول الفصح أو البنطقستي، وإنما يشير إلى كل الزمن كعيد للمسيحيين، وذلك بسبب سمو الخيرات التي نتقبّلها. v إنه عيد، يمتد كل زماننا. لذلك يقول بولس: "افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا" (في4:4). في أيام العيد لا يرتدي أحد ثيابًا قذرة. هكذا ليتنا نحن أيضًا لا نفعل ذلك. فقد تحقق الزواج، الزواج الروحي، لأنه يقول: "يشبه ملكوت السموات إنسانا ملكًا صنع عرسًا لابنه" (مت2:22). + ليته لا يدخل أحد ملتحفًا بخرقٍ... فإن كان حيث يوجد الكل بمظهر بهي وُجد شخص واحد في العرس مرتديًا ثيابًا قذرة قد طُرد بمهانة، فكم يكون الأمر يتطلب غاية الدقة وبكل طهارة لمن يدخل في حفل العرس هذا. القديس يوحنا ذهبي الفم+ إن سعادة عيدنا يا إخوتي هي قريبة منا جدًا، ولن يفشل في بلوغها من يرغب في تبجيله، لأن "الكلمة" هو قريب، هذا الذي هو بالنسبة لنا كل شيء لخيرنا. لقد وعدنا ربنا يسوع المسيح أن يكون معنا على الدوام... قائلاً: "ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر" (مت20:28). فإذ هو الراعى، ورئيس الكهنة، والطريق، والباب، وكل شيء في نفس الوقت لأجلنا، هكذا يظهر أيضًا "عيدًا" لنا كقول الطوباوى بولس: "لأن فصحنا المسيح قد ذبح" (1 كو 7:5). إنه هو ما كنا ننتظره، لقد أضاء على مرتل المزامير القائل: " وأفرح برحمتك، لأنك نظرت إلى مذلتي وعرفت في الشدائد نفسي" (مز 7:31). إنه بحق فرح حقيقي، إذ يخلصنا من الشر، وهذا يبلغه الإنسان خلال تبنيه الأحاديث الصالحة، وتزكية فكره بخضوعه للّه. البابا أثناسيوس الرسولي+ كما أن خميرة قليلة تخمر العجين كله, هكذا الحياة الشريرة تفسد الإنسان كله. لهذا يريدنا بولس أن نتجنب ليس فقط الأفعال الشريرة, بل وكل اهتمامات الخطية, حتى بالاخلاص تغتسل حياتنا ويُنزع الحق كل خداع. أمبروسياستر4. عدم الشركة مع الاخوة الزناة"كتبت إليكم في الرسالة أن لا تخالطوا الزناة" [9]. بينما يرى البعض أن الرسول يشير هنا إلى رسالة سبق فكتبها إليهم بخصوص هذا الأمر, يرى البعض أنه يتحدث هنا عن ما سبق فكتبه في نفس هذه الرسالة. يرى القديس يوحنا ذهبي الفم وثيؤدورت وأغلب المفسرين اللاتين مع إجماع الكتاب الألمان بأن النص هنا يشير إلى ذات الرسالة وليس إلى رسالة سابقة مفقودة. + يعني بولس أنه من الأفضل الموت (الخروج من العالم) عن الاختلاط بزملاء مؤمنين يخطئون مثل الزاني موضوع الحديث هنا, لأن الموت يضع نهاية لذلك حالاً دون تأخير. أمبروسياستر+ غير المؤمنين الزناة لا يستطيعون أن يؤذوا الكنيسة, أما المؤمنون الزناة فيفسدونا في الداخل, لهذا يجب تجنبهم وعزلهم. العلامة أوريجينوس+ واضح أنه إن كان يجب ألا نشاركهم في الطعام العادي, يلزم ألا نشترك معهم في مائدة الرب. ثيؤدورت أسقف قورش
+ + + مزمور إنجيل القداس : قوتى وتسبحتى هو الرب . وقد صار لى خلاصا . إن أدبا أدبنى الرب وإلى الموت لم يسلمنى : هلليويا .
+ + + إنجيل القداس ... مرقس 4 : 21 – 29
21 ثم قال
لهم هل يؤتى بسراج ليوضع تحت المكيال او تحت السرير اليس ليوضع على المنارة
عمله الإلهي لن يختفيإن كان السيد المسيح قد جاء إلى العالم ليخدم العالم بحبه العملي دون أن يطلب مجدًا لذاته، لكن لا يمكن لمجده أن يختفي. لقد وضع لنا خطة العمل، ألا وهي العمل من أجل المجد الداخلي، بعيدًا عن حب الظهور أو طلب الكرامات الزمنية، لكننا فيما نحن نعمل هكذا بروحه يتمجد فينا علانية، إذ يقول: "هل يُؤتى بسراج ليوضع تحت مكيال أو تحت السرير؟أليس ليوضع على المنارة. لأنه ليس شيء خفي لا يظهر، ولا صار مكتومًا إلا ليعلن" [21-22]. ويلاحظ في هذا القول الإلهي الآتي: أولاً: جاء هذا القول تباعًا بعد شرحه مثل الزارع والبذور لتلاميذه. لعل السيد أراد أن يقول لتلاميذه أن كلماته "سراج منير" يسمعها العامة وفي غير إدراك روحي لا ينتفعون بها، إذ يخفونها كما تحت مكيال أو تحت السرير، أما هم فقد أقامهم منارة للعالم، تحمل السراج الإلهي ليضيء في العالم. يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [ يحث الرب تلاميذه أن يكونوا نورًا في حياتهم كما في أحاديثهم، قائلاً لهم بأنه كما أن السراج يعطي ضوءً هكذا الكل يتطلع إلى حياتكم. لذلك يجب أن تكونوا مجتهدين في ممارسة الحياة الصالحة، لا تجلسوا في الزوايا، بل كونوا سراجًا. فإن السراج يعطي ضوءً ليس عندما يُوضع تحت سرير، بل على منارة. هكذا ليوضع هذا النور على المنارة، أي يقوم على الحياة الصالحة السامية. لا يوضع السراج تحت مكيال أي تحت أشياء تدخل الحلق، ولا تحت سرير أي الكسل. فإنه ليس إنسان يطلب ملذات فمه ويحب التراخي يمكن أن يضيء على الآخرين.] ثانيًا: إن كانت كلمة الله هي نور يجب أن يشرق على الكل، فإننا إن وضعناه تحت مكيال أو تحت السرير، نحجب عمله عن الآخرين. ما هو المكيال إلا المقاييس البشرية الزمنية التي تُفقد الإنسان إيمانه بالله العامل فوق كل الحدود البشرية، وما هو السرير إلا الجسد الذي يتراخى متهاونًا بالأبدية. بمعنى آخر لنقبل كلمة الله فينا سراجًا يرتفع بنا فوق كل فكرٍ زمنيٍ وفوق كل شهوات الجسد! ثالثًا: رأينا في مقدمة هذا السفر أن السيد المسيح كما يخفي سرّه الحقيقي بطرق متنوعة، الآن يظهر أن هذا الإخفاء إنما يكون إلى حين، فإن سرّ المسيح أو سرّ إنجيله في الحقيقة لم يستطع حتى التلاميذ إدراكه إلا بعد قيامته وإرساله روحه القدوس ليذكرهم بكل ما قاله لهم (يو 14: 26) ويعلمهم كل شيء (يو 14: 26) لذلك يقول الرسول عن سرّ الله: "أعلنه الله لنا بروحه، لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله، لأن مَنْ من الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه، هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله" (1 كو 2: 10-11). يقول القديس ديديموس الضرير: [يستحيل أن ينال أحد نعمة الله ما لم يكن له الروح القدس، الذي فيه كل عطايا الله.] رابعًا: يقول الرب: "لأنه ليس شيء خفي وصار مكتومًا إلا ليعلن... بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم ويزاد لكم أيها السامعون، لأن من له سيُعطى، وأما من ليس له، فالذي عنده سيؤخذ منه" [22-25]. ما نزرعه هنا إياه نحصد، فإن زرعنا السماويات ننعم بأمجادها مزادًا عليها، وإن جمعنا التراب ننال فسادًا مضاعفًا. فالأبدية ليست إلا امتداداً لحياة اختارها الإنسان لنفسه، وعاشها في أعماق قلبه، وكما يقول الشيخ الروحاني: [كل واحد ميراثه فيه، وغذاؤه داخله.] "من له يُعطى فيزداد، وأما من ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه" [25]، بمعنى آخر من اختار الغنى الروحي يزداد غنى، ومن أهمل في حياته الروحية يزداد فقرًا. اليهود في جحدهم للرب حتى ما لديهم قد سُحب منهم، وأما الذين قبلوا الرب فازدادوا نعمة فوق نعمة. في حياتنا الروحية إن رفضنا عمل الله حتى ما نلناه بالطبيعة أو الناموس الطبيعي يُنزع منا، فيسلك الإنسان على مستوى حيواني أو أحيانًا أقل من الحيواني، أما الذي بالإيمان يجاهد فإنه ينال بركات فائقة بجانب ما تمتع به خلال الطبيعة التي وهبه الله إياها. العمل الإلهي المستمرربما استصعب التلاميذ العمل كيف يقدمون نورًا للعالم، لذلك أكد لهم السيد أن العمل الكرازي هو عمل إلهي ومستمر، له فاعليته في حياة الآخرين حتى في لحظات الضعف التي يعيشها الخادم، إذ يقول: "هكذا ملكوت الله كأن إنسانًا يلقي البذار على الأرض. وينام ويقوم ليلاً ونهارًا، والبذار يطلع وينمو وهو لا يعلم كيف، لأن الأرض من ذاتها تأتي بثمرٍ..." [26-28]. أولاً: من هو الذي ألقى البذور على الأرض إلا الابن الذي سلم نفسه للموت كقوله: "ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي، لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا" (يو 10: 18). لقد سلّم جسده كمن نام وقام، وإذ ببذور الكرازة قد طلعت ونمت وصارت نباتًا فسنبلاً ثم قمحًا ملآن في السنابل [28]. بموته وقيامته وهب الكنيسة ثمارًا لا تتوقف. ونحن أيضًا إن كنا نخدم إنما نقدم ذاك الذي بعمله الإلهي يقيم النفوس بلا توقف حتى يكمل المختارون ويتمتعوا بشركة المجد معه. أما قوله: "لا يعلم كيف" إنما تشير إلى سرية عمله الخفي في القلوب التي يقيمها معه بطريقة لا يمكن لنا إدراكها، فيحسب كمن لا يعلم كيف، إذ لا يشرحها لنا ولا يعلنها للبشر. ثانيًا: يسمى البعض هذا المثل "المزارع الصبور"، فقد ألقى السيد بالبذور وفي غير قلقٍ يدرك أن ملكوته قادم لا محالة. الحصاد يتحقق حتمًا، والأرض لابد أن تحمل ثمرًا. حقًا ليتنا لا نضطرب، بل في يقين الإيمان أن البذور التي وهبنا إياها فعّاله، قادرة أن تخرج من الإنسان الترابي ثمرًا سماويًا، تقيمه مع السيد المسيح ليجلس معه في السماويات (أف 2: 6). ثالثًا: يرسل السيد المنجل للحصاد... هكذا يرفع الرب قلوبنا إلى مجيئه الأخير لنرى الحصاد قد نضج تمامًا والملائكة كحصادين قادمين بالمنجل السماوي يحصدون لحساب ملكوت الله ثمارًا مفرحة. هذا ما رآه يوئيل النبي القائل: "أرسلوا المنجل لأن الحصاد قد نضج" (يؤ 3: 13)، وما تمتع برؤيته القديس يوحنا: "وخرج ملاك آخر من الهيكل يصرخ بصوت عظيم إلى الجالس على السحابة: أرسل منجلك واحصد، لأنه قد جاءت الساعة للحصاد، إذ قد يبس حصاد الأرض، فألقى الجالس على السحابة منجله على الأرض فحُصدت الأرض" (رؤ 14: 15-16). رابعًا: يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [يلقي الإنسان بالبذرة في الأرض عندما يضع النية الصالحة في قلبه، وينام إذ يستريح فعلاً خلال رجائه في العمل الصالح. لكنه يقوم ليلاً ونهارًا، إذ يتقدم في النمو مع الصراع، وإن كان لا يعرف كيف يتحقق ذلك، إذ لا يستطيع أن يقيس مقدار نموه. ومع ذلك فالفضيلة التي تمتع بها تنمو. إذن عندما يدرك الرغبات الصالحة يكون قد وضعنا البذرة في الأرض، وعندما نبدأ في العمل الصالح تصير البذرة بحق نباتًا. وعندما ننمو إلى كمال الأعمال الصالحة نبلغ إلى السنبلة. وإذ نثبت في الكمال في ذات العمل تكون السنبلة قد امتلأت قمحًا.]
21 ثم قال لهم هل يؤتى بسراج ليوضع تحت المكيال او تحت السرير اليس ليوضع على
المنارة + + +
اليوم الخامس [ الجمعة ] من الأسبوع الأول من الصوم الكبير
ارتباط القراءاتالأتكال على اللهتدور فصول هذا اليوم جميعها حول موضوع واحد هو " الأتكال على الله " ، أى ضرورة اتكال المؤمنين عليه ، فالنبوة الأولى تتكلم عن بركات الله للمتكلين عليه كما توعد إشعياء أورشليم ويهوذا بذلك جزاء شرورهما العظيمة . ويتكلم إنجيل باكر عن شفائه للملتجئين إليه من مرض الخطية كما شفى يسوع الأبرص ، وإنجيل القداس عن إحساناته إليهم كلما سألوه كما وعدهم بذلك قائلا " أسألوا تعطوا . اطلبوا تجدوا . أقرعوا يفتح لكم " ويوصيهم الرسول فى رسالة البولس بخدمة الآخرين من مواهبهم ، ويحضهم فى الكاثوليكون على قبول الغرباء منهم كما امتدح يوحنا الرسول غايس على ذلك ، ويحثهم فى الأبركسيس على خدمتهم بما يملكون ، كما شفى بطرس ارجل الأعرج من بطن أمه بما له من موهبة الشفاء .
النبوات .... من إشعياء 3 مجاعة مهلكة خلق الله العالم بكل إمكانياته المدركة وغير المدركة من أجل سلام الإنسان وسعادته ، حتى يفرح كل بشر بالله محبوبه . متكئا عليه ، مشتاقا أن ينعم بشركة حب أعمق . أما وقد انشغل الإنسان بالعطية لا العاطى استند على " كل سند خبز وكل سند ماء " إش 3 : 1 . صار الإنسان يفتخر بغناه وقدراته وكثرة خبراته وجماله عوض افتخاره بالرب واتكاله عليه . لهذا ينتزع الله العطايا ويحرم الإنسان من البركات الزمنية ، لا للأنتقام منه ولا لإذلاله أو حرمانه وإنما لكى يرجع بقلبه إلى الله مصدر حياته وشبعه وسلامه وفرحه ومجده فينال فى هذا العالم أضعافا وفى العالم الآتى حياة أبدية ؛ ينال الله نفسه نصيبا له وميراثا ! هنا يهدد النبى بحدوث مجاعة وحرمان وتحطيم للإثنى عشر عمودا التى تتكىء عليها الجماعة [ للخبز والماء ، الجبابرة ( القادرين ) ورجال الحرب ، القضاة ، الأنبياء ، العرافين ،الشيوخ ، رؤساء الخمسين ، المعتبرين ، المشيرين ، الماهرين بين الصناع ، الحاذقين بالرقى ] . لقد انتزع الرب الموارد الطبيعية خلال المجاعة والطاقات البشرية خلال السبى حتى يرجعوا إليه .
( 1 ) انتزاع سند الخبز وسند الماء " فإنه هوذا السيد رب الجنود ينزع من أورشليم ، ومن يهوذا السند والركن وكل سند خبز وكل سند ماء " إش 3 : 1 . حين يسمح الله لأورشليم ولبنى يهوذا ، شعبه العروس ، أن تصير فى عور إلى الخبز والماء إنما يحطم السند والركن لعلها تعود فتفكر فى الإتكاء على حبيبها ( نش 8 : 5 ) لتجد فيه شبعها وارتواءها . + ما هو أخطر ، حدوث جوع لكلمة الله كما جاء فى عاموس النبى : " هوذا أيام تأتى يقول السيد الرب أرسل جوعا فى الأرض لا جوعا للخبز ولا عطشا للماء بل لإستماع كلمات الرب " ( عا 8 : 11 ) . ( 2 ) انتزاع القيادات الناضجة : انتزع الله منهم القيادات الناضجة الحكيمة ليتركهم يقيموا لأنفسهم قيادات ضعيفة وعاجزة ، فيدركوا حاجتهم إلى العون الإلهى حتى فى التمتع بقيادات حية وقوية . " ( ينزع ) الجبار ( القدير ) ورجل الحرب ؛ القاضى والنبى والعراف ( المتدبر ) والشيخ ، رئيس الخمسين والمعتبر والمشير والماهر بين الصناع والحاذق بالرقية ( الحاذق فى الخطابة ) " إش 3 : 2 ، 3 . ربما قصد تجريدهم مما وهبهم من قدرات وإمكانيات ، فيضعف الجبابرة وينهار رجال الحرب أمام العدو ويفقد القضاة الحكمة ......الخ . والآن ماذا يحدث ؟ أ – " وأجعل صبيانا رؤساء لهم وأطفالا تتسلط عليهم " إش 3 : 4 حين ملك رحبعام بن سليمان قبل مشورة الأحداث المتسرعة العنيفة والمتطرفة ورفض مشورة الشيوخ الحكيمة المتزنة والمملوءة حبا وترفقا ( 1 مل 12 ) ، فانقسم الشعب وحلت الحروب الداخلية بين الأسباط ، وسادت العداوة بدل الحب والوحدة . الله محب للشباب ، يسندهم ويطلب نموهم المستمر ، لكن ما عناه هنا بالصبيان والأطفال هو عدم النضوج الروحى والفكرى . لقد كان يوحنا المعمدان جنينا ناضجا روحيا . شهد للسيد المسيح وهو بعد فى أحشاء البتول مريم ، بينما كان كثير من الكتبة والفريسيين والصدوقيين والكهنة ناضجين من جهة السن دون الروح .
ب – " ويظلم الشعب بعضهم بعضا والرجل صاحبه ، يتمرد الصبى على الشيخ والدنىء على الشريف " إش 3 : 5 . علامة فقدان القيادات السليمة الناضجة اختلال الموازين فيسود قانون الظلم ويحل روح الفوضى فى حياة الجماعة كما فى داخل الإنسان . إذ لا توجد قيادة صادقة ومخلصة يطلب كل إنسان ما لذاته على حساب الغير ، ويحسب كل واحد أنه أحكم وأفضل من غيره . أقول حينما يفقد الإنسان قيادة الروح القدس يحل فى داخله قانون الأنانية والظلم والتمرد ، فيدخل فى صراعات بلا حصر بين النفس والجسد وبين العقل والعاطفة والحواس . ج – الدخول فى حالة يأس شديد ، حتى أن كل إنسان لا يريد أن يتحمل المسئولية ، فيمسك كل إنسان بأخيه ويقول له : " لك ثوب " علامة قبوله رئيسا ، .. يقول كل واحد : " لا تجعلونى رئيس شعب " إش 3 : 7 ، معللا ذلك بقوله : " لا أكون عاصبا ( اضمد الجراحات ) وفى بيتى لا خبز ولا ثوب " إش 3 : 7 . يقول المرتل : " لا تتكلوا على الرؤساء ولا على بنى آدم حيث لا خلاص عنده " مز 146 : 3 . د – فقدان الحياة ومخافة الله : " يخبرون بخطيتهم كسدوم ، ولا يخفونها " إش 3 : 9 . بلغت الخطورة أن أورشليم انحدرت فى عثرات متكررة لا عن ضعف أو جهل وإنما عن عمد لإغاظة الرب ( إش 3 : 9 ) . ترتكب الشرور بالقول والفعل بلا خجل أو حياء . هذه هى صورة العالم فى العصر الحديث إذ يشعر كثير من الشباب أن ما يمارسه من انحرافات فى كل صورها هو حق طبيعى للإنسان . يقول : " نظر وجوههم يشد عليهم " إش 3 : 9 . يقول الكتاب : " أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس " 1 يو 3 : 10 . إن كان الأشرار ظاهرين وقد صاروا أغلبية لكنه توجد قلة مقدسة للرب ، لن يتجاهلها الله ، لذا يقول النبى : " قولوا للصديق خير ، لأنهم يأكلون ثمر أفعالهم " إش 3 : 10 . فى وسط الضيق الشديد يحفظ الرب صديقيه ، ويحول كل الأمور حولهم إلى خيرهم ! لقد ظنوا أنهم يصنعون بالبار شرا لكنهم كانوا يصنعون ذلك لأنفسهم فيجنون ثمر عملهم لا كعقوبة إلهية للإنتقام وإنما كثمر طبيعى لتصرفاتهم وحياتهم : " ويل للشرير شر . لأن مجازاة يديه تعمل به " إش 3 : 11 . " ما يزرعه الإنسان إياه يحصد " 2 كو 9 : 6 .
هـ - حب السلطة لا رعاية الحب : الرؤساء الحقيقيون أشبه بآباء يحتضنون الكل أبناء لهم ، يقدمون حياتهم مبذولة من أجل الشعب ، لكن متى انتزعت نعمة الله يتحول الرؤساء – حتى الدينيون – إلى متسلطين ، لا هم لهم سوى الدفاع عن مراكزهم وسلطانهم بتبريرات متنوعة تحت ستار الدفاع عن الحق وهيبة المراكز القيادية والقدرة على بتر الشر . هؤلاء يتحولون من آباء باذلين إلى أطفال صغار تسيطر عليهم " الأنا " ، أو إلى ما هو أشبه بنساء ( رمز للضعف الجسمانى ) يطلبون السيطرة ، إذ يقول : " شعبى ظالموه أولاد ، ونساء يتسلطن عليه . يا شعبى مرشدوك مضلون ويبلعون طريق مسالكك " إش 3 : 12 . يرى بعض الدارسين أن هذا تحقق حرفيا إذ تسلم بعض الصبيان الملك فى يهوذا وقامت بعض النساء بأدوار خطيرة فى تدبير الأمور . وسط هذا الفساد خاصة من جانب القيادات يتدخل الله من أجل البسطاء فى شعبه ، فينتصب لمحاكمتهم بكونهم الكرامين الذين آكلوا الكرم عوض الأهتمام به ، موبخا إياهم : " يسحقون الشعب ويطحنون وجوه البائسين " ( إش 3 : 15 ) . ( 3 ) انتزاع إمكانيات الترف مع التشامخ : بعد الحديث عن محاكمة القيادات الفاسدة بدأ الحديث عن بنات صهيون المتشامخات ، لعلهن كن وراء فساد هذه القيادات . فقد نسيت بنات صهيون انتسابهن لصهيون وللرب وسلكن كالوثنيات فى عجرفة مع ترف ولهو . يقدم لنا النبى بعض ملامح الخلاعة التى اتسمت بها بنات صهيون : أ – التشامخ : " وقال الرب من أجل أن بنات صهيون يتشامخن ويمشين ممدودات الأعناق .. " إش 3 : 16 . لقد نسين آباءهن وأمهاتهن الذين انحنت أعناقهم تحت نير العبودية فى مصر ، " قبل الكسر الكبرياء ، وقبل السقوط تشامخ الروح ، تواضع الروح مع الودعاء خير من قسم الغنيمة مع المتكبرين " أم 16 : 18 ، 19 . ب – الغمز بالعيون ( إش 3 : 16 ) : انشغلن باصطياد قلوب الرجال وأسرها كثمرة طبيعية لفراغ القلب الداخلى ... يقول الحكيم : " فوجدت أمر من الموت المرأة التى هى شباك وقلبها أشراك ويداها قيود ، الصالح قدام الله ينجو منها " جا 7 : 26 . جـ - الخلاعة فى المشى : " خاطرات فى مشيهن ، يخشخشن بأرجلهن " إش 3 : 16 . دلالة على فساد القلب . ماذا يفعل الرب بهؤلاء البنات المتعجرفات السالكات فى لهو وترف ؟ أ – " يصلع الرب هامة بنات صهيون ويعرى الرب عورتهن " إش 3 : 17 .. الصلع علامة القبح الشديد ، وتعرية العورة كناية عن كشف فساد طبيعتها ، أو إشارة إلى عريها ، هذه هى حالة النفس البشرية الساقطة بالكبرياء ، إذ تفقد عطايا الله لها ، وينفضح فساد طبيعتها فتصير بلا جمال ولا قوة ولا كرامة . ب – انتزاع كل مظاهر الغنى والزينة من خلالخيل وضفائر وأهلة وحلقان وأسوار ... يسمح الله بهذا التأديب لبنات صهيون لكى تجد فى المخلص سر زينتها ومجدها . هنا يشير إلى ما يحل ببنات صهيون خلال السبى ، إذ يقول : " فيكون عوض الطيب عفونة " إش 3 : 24 ، هذا ما حدث عندما سبين وصارت رائحتهن كريهة بسبب العرق من جراء العمل فى السبى . " عوض المنطقة حبل " إش 3 : 24 . بعد أن كانت بنات صهيون يتمنطقن بمناطق ذهبية مزخرفة ومرصعة بحجارة كريمة ربطن بالحبال لسحبهن إلى السبى كمذلولات . صورة مؤلمة تكشف عن ثمر الخطية ! " وعوض الجدائل قرعة ، عوض الديباج زنار المسح ، وعوض الجمال كى " إش 3 : 24 .. هكذا قص شهر الشريفات ، وملابس المسوح عوض الثياب الفاخرة وظهر الكى على جباههن علامة العبودية .. إذ كان العبيد من الجنسين يختمون بختم معين بالكى ليعرف السيد من هم له . فى اختصار عبر عن تحطيم حياتهن تماما لإتكالهن على المظاهر الخارجية وعلى الذراع البشرى ، لذا يقول : " رجالك يسقطون بالسيف ، وأبطالك فى الحرب ، فتئن وتنوح أبوابها وهى فارغة تجلس على الأرض " إش 3 : 25 ، 26 . مات الرجال وسبيت النساء وصارت المدينة العظيمة كما فى فراغ ! . + + + مزمور باكر : أعظمك يارب لأنك أحتضنتى ولم تشمت بى أعدائى . أيها الرب إلهى صرخت إليك فشفيتنى : هلليلويا
+ + +
البولس .... رومية 12 : 6 – 21 المؤمن والحياة اليوميةإن كانت الأصحاحات السابقة تكشف عن إمكانيات النعمة في حياة المؤمن، ففي هذا الأصحاح وما يليه يحدّثنا الرسول عن ترجمة النعمة في حياتنا العمليّة، حتى لا نحرم من الثبوت في السيد المسيح والتمتّع بنعم إلهية بلا توقف، كقول الإنجيل: "ومن ملئه نحن جميعا أخذنا نعمة فوق نعمة" (يو 1: 16). في هذا الأصحاح يحدّثنا عن: 1. تكريس الحياة كلها لله 1. 2. تجديد الخارج والداخل 2. 3. التعقّل في الجهاد 3. 4. تنوّع المواهب 4-8. 5. المحبّة الأخوية 9-10. 6. حرارة الروح 11. 7. الفرح في الرجاء 12. 8. الشركة في احتياجات القدّيسين 13. 9. مباركة المضطهدين 14. 10. الشركة العمليّة 15. 11. التواضع 16. 12. مسالمة الجميع 17 -21. 1. تقديم الحياة كلها للهيفتتح الرسول بولس هذا الفصل العملي لا بتقديم وصايا تفصيليّة محدّدة، وإنما بتقديم الحياة كلها ذبيحة حب الله، معلنًا لنا عن غاية الوصيّة: ردّ الحب بالحب، وتسليم الحياة بكاملها للَّه، في أعماقها ومن جذورها، إذ يقول: "فأطلب إليكم أيها الاخوة برأفة الله أن تقدّموا أجسادكم ذبيحة حيّة مقدّسة مرضيّة عند الله عبادتكم العقليّة" [1]. إن كان كلمة الله المتجسّد قد قدّم لنا حُبّه عمليًا بتقديم جسده ذبيحة حب على الصليب، هكذا يليق بنا خلال اتحادنا معه أن نحمل ذات فكره، فنقدّم حبّنا للَّه عمليًا، بتقديم أجسادنا ذبيحة حب للَّه، لا بذبح الجسد بطريقة مادية، وإنما بقبول "الإماتة" من أجل الله، وكما يقول الرسول: "من أجلك نمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح" (رو 8: 36). يلاحظ في هذه العبارة الرسولية الآتي: أولاً: يبدأ حديثه بحرف العطف "ف" كمقدّمة للالتماس الذي يرجوه، معلنًا أن ما يوصي به هنا هو امتداد لحديثه السابق، فلا انفصال بين حديثه الإيماني وحديثه السلوكي، إن صح هذان التعبيران، فلا سلوك حيّ خارج الإيمان، ولا حياة للإيمان الصادق بدون سلوك عملي. ثانيًا: يسألهم أن يتطلّعوا إلى "مراحم الله" أو رأفته غير المحدودة، حتى يقدّموا أجسادهم ذبيحة. ولئلاّ يظنّوا أنه يسألهم ذبيحة ماديّة قال: "ذبيحة حيّة". يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ قال "ذبيحة"، فلكي يمنع كل أحد عن التفكير بأنه يطالبهم بقتل أنفسهم، أضاف: "حيّة". ولكي يميّزها عن الذبيحة اليهوديّة، قال: "مقدّسة، مقبولة لدى الله، عبادتكم العقليّة"، لأن ذبيحتهم كانت ماديّة وليست مقبولة تمامًا. يقول الله: "من طلب هذا من أيديكم؟" (إش 1: 12). وبعبارات متنوعة استبعدها تمامًا وبوضوح، إذ يقول: "ذابح الحمد يمجدني" (مز 50: 23)، "أسبح اسم الله بتسبيح، وأعظمه بحمدٍ، فيُستطاب عند الرب أكثر من ثور بقر ذي قرون وأظلاف" (مز 69: 30-31). وفي موضع آخر يزدري بها، قائلاً: "هل آكل لحم الثيران؟ أو أشرب دم التيوس"؟ (مز 50: 14). هكذا يأمرنا بولس أيضًا أن نقدم أجسادنا "ذبيحة حيّة". ربّما يُقال: كيف يصير الجسد ذبيحة؟ دعْ العين لا تنظر الشرّ، فتصير ذبيحة! لا ينطق لسانك بدنس، فيصير ذبيحة! لا تمارس يدك عملاً محرّمًا، فتصير مُحرقة كاملة! لكن هذا لا يكفي، إنما يجب ممارسة الأعمال الصالحة، فتقدّم اليدّ الصدقات، ويبارك الفم من يقاومه، وليجد السمع لذته في فصول الكتاب المقدس. لأن الذبيحة لا تسمح بأمر دنس بل هي بكر الأعمال. إذن لنقدّم للَّه الباكورة بأيدينا وأرجلنا وفمنا وكل أعضائنا! فمثل هذه الذبيحة مرضيّة، أمّا ذبائح اليهود فكانت غير طاهرة لذا قيل: "إنها لهم كخبز الحزن" (هو 9: 4). لا تكن ذبائحنا هكذا!... شريعة هذه الذبيحة جديدة ونارها من نوع عجيب. نارها لا تحتاج إلى خشب يوضع تحتها، بل نارها حيّة فيها، لا تحرق الذبيحة بل بالأحرى تحييها. هذه هي الذبيحة التي كان الله يطلبها منذ القديم. لذلك يقول النبي: "ذبيحة الله روح منسحق" (مز 51: 17)؛ كما قال الثلاثة فتية عندما قدموها: "في ذلك الوقت لا يوجد رئيس ولا نبي ولا قائد ولا مُحرقة أو موضع لنقدّم فيه ذبيحة أمامك فنجد رحمة، لكنّنا نقدم قلبًا منسحقًا وروحًا متواضعًا فاقبلنا إليك"... بهذا لا نحتاج إلى سكين أو مذبح أو نار، بالحري نحتاج إلى هذه كلها، لكنها ليست مصنوعة بالأيدي، إنما تأتينا من فوق. نحتاج إلى نار علويّة، وسكّين؛ هكذا مذبحنا هو اتساع السماء! إن كان إيليا إذ قدّم ذبيحة منظورة نزلت نار من فوق التهمت كل الماء والخشب والحجارة، فكم بالأكثر يُحدّث هذا بالنسبة لك!] يحدّثنا القدّيس جيروم عن هذه الذبيحة التي نقدّمها للَّه، قائلاً: [احضر تقدماتك؛ أي نوع من التقدمات؟ تقدمات نفسك! فالبتولية هي ذبيحة مُحرقة للمسيح، وكل طهارة سواء في الحياة البتولية أو الترمّل أو العفّة (الزوجيّة) هي تقدمة ذبيحة للمسيح.] ثالثًا: لماذا يقول: "قدّموا أجسادكم"؟ ولم يقل "حياتكم"؟ بلا شك أراد الرسول أن يقدّم المؤمن كل حياته ذبيحة حب لله، لكنه ركّز هنا على الجسد، لأنه الأداة التي تعبّر عمليًا عمّا في القلب والفكر دون انفصال عن النفس. هذا من جانب ومن جانب آخر أراد أن ينزع الأفكار الدخيلة من جهة احتقار الجسد واعتباره عنصر ظلمة. الله يقبل الجسد ذبيحة حيّة، إذ يراه مقدسًا له. الجسد الذي يُقدّم ذبيحة حيّة مقبولة لدى الله، بلا شك يستحق بالنعمة أن يشارك النفس في المكافأة الأبدية، فيقوم معها ليحيا أبديًا في السماء. رابعًا: إن كان الجسد يُقدّم ذبيحة حيّة، إنما خلال "العبادة العقليّة"، أي العبادة التي تقوم على فكر روحي أصيل. وهي عبادة عقليّة، إذ يتفهّم المؤمن بالروح أسرارًا إلهيّة. 2. تجديد الخارج والداخل"ولا تشاركوا هذا الدهر، بل تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم، لتخبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضيّة الكاملة" [2]. لكن نقدّم حياتنا ذبيحة حب، يلزم أن نقدّمها مقدّسة للرب، فلا تكون حياتنا على شاكلة أهل العالم الحاضر الذي يعيشون لحساب الجسد، ويطلبون الكرامات الزمنيّة، وإنما يلزم تجديد الذهن الداخلي لنحمل لا إرادتنا الذاتية، بل إرادة الله الصالحة المرضيّة الكاملة. تجديد القلب والنفس على صورة خالقنا يهبنا إرادته عاملة فينا، فتكون تصرفاتنا الخارجية أو سلوكنا الظاهر يمثّل النقاوة الداخليّة. يقول القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [كيف تقدرون أن تُطيعوا بولس الذي يحثّكم على تقديم أعضائكم ذبيحة حيّة مقدّسة مرضيّة إن كنتم تمتثلون بهذا العالم ولا تتشكّلون بتجديد أذهانكم، عندما لا تسلكون في جدة الحياة بل تبقون سالكين في روتين الإنسان العتيق؟] في دراستنا للتجديد - في كتاب: "الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر" ميّزنا بين التجديد الذي نناله في مياه المعموديّة حيث يُصلب الإنسان العتيق وننعم بالإنسان الجديد الذي على صورة خالقنا يحمل قوّة القيامة فيه، وبين التجديد الذهني المستمر خلال نموّنا الدائم بنعمة الله الدائمة الحركة فينا، ترفعنا من قوّة إلى قوّة، ومن مجد إلى مجد. خلال هذا التجديد المستمر بعمل النعمة الدائم نمارس الحياة المقدّسة كذبيحة حب لله لا تتوقف. لذا يقول الشهيد كبريانوس: [إنكم تقدّمون هذه الذبيحة للَّه، وتحتفلون بها بغير توقّف، نهارًا وليلاً، إذ صرتم ذبائح الله، مظهرين أنفسكم كتقدمات مقدّسة بلا عيب.] يقارن القدّيس يوحنا الذهبي الفم بين الذين يشاكلون هذا العالم أو يحملون هيئته أو "شكله" وبين الذين يتغيّرون داخليًا بتجديد أذهانهم، فيرى في الأولين أنهم يحملون شكل العالم الزائل خلال الأمور الظاهرة الوقتيّة، بينما الآخيرون يحملون الحق الأبدي في داخلهم، إذ يقول: [شكل (هيئة) هذا العالم حقير وزهيد ووقتي، ليس فيه سموّ ولا استمرارية ولا استقامة، إنما هو فاسد تمامًا. فإن أردت السلوك باستقامة لا تشكّل نفسك حسب شاكلة هذه الحياة الحاضرة، إذ لا يوجد فيها شيء باقٍ أو مستقر. لهذا يقول "شاكلة (هذا الدهر)" وفي موضع آخر يقول: "لأن هيئة (أو شكل) هذا العالم تزول" (1 كو 7: 31)... إن تحدثت عن الغني أو المجد أو جمال إنسان أو ترف أو ما يشبه ذلك من الأمور العظيمة التي تريدها تجدها "شكلاً مجرّدًا" وليست حقيقة. إنها مجرّد عرض وقناع وليست كيانًا دائمًا. "لا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم"، لم يقل "بتغيير شكله" بل "تغيّروا" مظهرًا أن طرق العالم هي "شكل" أمّا طريق الفضيلة فليس شكلاً بل كيان حقيقي يحمل جمالاً طبيعيًا خاصًا به لا يحتاج إلى خداعات أو أشكال خارجية تزول... ليس شيء أضعف من الرذيلة، ولا ما يشيخ سريعًا مثلها... هل تخطيء كل يوم؟ هل تجعل نفسك تشيخ؟ لا تيأس ولا تخر، بل تجدد بالتوبة والدموع مع الاعتراف وعمل الصلاح!] هكذا يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن من يحمل شكل العالم الحاضر يحمل طبيعته الفانية الزائلة، أمّا من يتجدد كل يوم بالتوبة فيلتقي بالحق الأبدي، عِوض الظلال الفانية، بمعنى آخر من يرتبط بالخطيّة إنما تشيخ نفسه وتهلك، ومن يرتبط بالتوبة يتجدّد مثل النسر شبابه الداخلي (مز 103: 5)، فيحمل فيه إرادة الله الصالحة المرضيّة الكاملة. 3. التعقّل في الجهاديطالبنا الرسول بولس بالحياة المقدّسة في الرب خلال الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا بتجديد أذهاننا يسألنا ألا يرتئي أحد فوق ما ينبغي، لئلاّ يظن في نفسه أنه أفضل من غيره، فإن كان الروح يعمل فيه بطريقة فائقة، لكن لكل واحد موهبته وقياس لقامته الروحيّة، فيسلك في جهاده الروحي بروح التواضع والحكمة، بما يناسب ما يناله من نعم إلهية وعطايا. "فإني أقول بالنعمة المعطاة لي لكل من هو بينكم، ألا يرتئي فوق ما ينبغي أن يرتئي، بل يرتئي إلى التعقّل كما قسّم الله لكل واحد مقدارًا من الإيمان" [3]. يقول القدّيس أغسطينوس: [حين قال يوحنا المعمدان: "لأنه ليس بكيل يعطى الله الروح" (يو 3: 34)، كان يتحدّث بنوع خاص عن ابن الله الذي لم يتقبل الروح بكيلٍ، لأن الروح يسكنه في كمال اللاهوت (كو 2: 9)... بكونه الابن الوحيد المساوي للآب بالطبيعة لا بالنعمة... أمّا بالنسبة للآخرين، فيُعطى الروح بكيل فائض حتى يبلغ كل واحد كمال ملئه ليس الروح هو الذي يُقسم إنما المواهب التي يمنحها الروح، إذ توجد مواهب متنوعة ولكن الروح واحد (1 كو 12: 4) .] إذن نحن ننعم بعطايا الروح، كل له موهبته وقامته لكي يمتلئ. بهذا الملء الروحي نشتاق أكثر لعمل الروح وعطاياه لنطلب أكثر فيهب، ونبقى في حالة نموّ دائم، لعلّنا نبلغ قياس مِلْء قامة المسيح. لكن شتّان بين علاقتنا نحن بالروح وعلاقة المسيح به، فنحن ننعم بالروح كهبة مجّانية وعطيّة ونعمة، أمّا المسيح فهو واحد مع الآب والروح القدس في اللاهوت. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على العبارة التي بين أيدينا، قائلاً: [إذ قال قبلاً: "فأطلب إليكم برأفة (مراحم) الله" [1]، يعود هنا فيقول: "أقول بالنعمة". لاحظ تواضع فكر المعلِّم وروحه الخاضعة تمامًا! إنه يريد أن يقول بأنه ليس أهلاً أن يكون موضع ثقة بأي حال (من ذاته)، ليقدّم نصيحة أو مشورة، لذا يحمل معه تارة "مراحم الله (الرأفة)" وأخرى "النعمة". يودّ أن يقول: إذ أتكلم لا أنطق بكلماتي بل بكلمة من عند الله. لا يقول: "فإني أقول بحكمة الله"، ولا "فإني أقول بالناموس المُعطى من الله"، وإنما يقول: "بالنعمة"، ليذكركم على الدوام بالهبات التي قُدِّمت لهم ليجعلهم أكثر خضوعًا، وليُظهر لهم إنهم لهذا السبب ملتزمون بطاعة ما يُقال هنا. "لكل من هو بينكم" [3]، لا أقول لهذا الشخص وحده أو ذاك، وإنما الحاكم والمحكوم، للعبد والحرّ، للأمّي والحكيم، للمرأة والرجل، للصغير والشيخ؛ لأن الشريعة عامة للكل، إذ هي شريعة الرب. بهذا يجعل لغته لا تقبل المعارضة مقدًما دروسه للجميع.... لأسمع: "لا يرتئي فوق ما ينبغي". هنا يقدّم لنا أُم كل الأعمال الصالحة، أي تواضع الفكر، ممتثلاً بسيده. فعندما صعد على الجبل وأخذ يقدّم نسيجًا من الوصايا السلوكية، قدّم في المقدّمة هذا الينبوع، قائلاً: "طوبى للمساكين بالروح" (مت 5: 3)، هكذا أيضًا بولس إذ يعبر من الجوانب التعليمية إلى الجوانب العمليّة يحدّثنا عن الفضيلة بطريقة عامة، سائلاً إيّانا أن نقدم ذبيحة عجيبة، وإذ يودّ أن يقدّم صورة خاصة بها بدأ بتواضع الفكر كما من الرأس، مخبرًا إيّانا: "لا يرتئي فوق ما ينبغي، بل يرتئي إلى التعقل" [3]. إنه يعني القول: لقد تسلَّمنا حكمة، لا لنستخدمها لكبريائنا، وإنما لنكون متعقِّلي الفكر. وهو لا يقول هذا لنكون منحطّين في الفكر بل نكون متعقّلين، قاصدًا بالتعقّل هنا الفضيلة العاقلة والصحيّة في الذهن... الكلمة اليونانية للتعقّل تعني فقط حفظ التعقّل سليمًا. إذن لكي يظهر أن الذي لا يكون متواضعًا هكذا لا يمكن أن يكون متعقلاً، أي لا يكون ذا عقل رزين صحيّ... يدعو إلى تواضع الفكر تعقُّلاً... انظر كيف يستعرض بوضوح علّة المرض لينزعه تدريجيًا؛ فبعد ما قال أنه يجب أن نتعقل أردف قائلاً: "كما قسَم الله لكل واحد مقدارًا من الإيمان" [3]، ليقصد هنا العطيّة بالإيمان. بقوله "قسَم" يلاطف من له عطيّة أقل، ويجعل من له نسيب أكبر متواضعًا، لأنه إن كان الله يقسّمها وهي ليست بجهادك الذاتي فلماذا تتكبر؟... إن كان الإيمان الذي به تتم المعجزات هو ذاته من الله فعلى أي أساس تنتفخ؟] 4. تنوع المواهبالآن إذ سألنا أن نحمل تجديدًا حقيقيًا في الداخل [2]، فيكون لنا الفكر المتعقّل، مدركين بروح التواضع أن ما نحمله حتى من إيمان هو عطيّة إلهية، ليس لنا أن نفتخر بها كما لو كانت من عندنا أو باستحقاقنا، فعلى هذا الأساس المتين يطالبنا بالعمل والجهاد، مُعلنًا أن يضرم كل واحد موهبته حسبما وهبه الله. بمعنى آخر إن تجديدنا الداخلي وتواضع فكرنا يلهب قلبنا للعمل ليس حسب هوانا بل حسب عطيّة الله لنا التي تتكامل مع عطاياه لإخوتنا، وتتناغم معها بروح واحدة كلٌّ يعمل في مجاله بفرحٍ وبهجة قلب، فلا يحسد من يظنه أفضل منه في الموهبة ولا ينتفخ على من يظنه أقل منه فيها... فإن المواهب متنوّعة ولكن الروح واحد (1كو12: 4)؛ هي عطيّة النعمة الإلهية، إذ يقول الرسول: "فإنه كما في جسدٍ واحدٍ لنا أعضاء كثيرة، ولكن ليس جميع الأعضاء لها عمل واحد، هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضًا لبعض، كل واحد للآخر، ولكن لنا مواهب مختلفة بحسب النعمة المعطاة لنا" [4-6]. التشبيه الذي استخدمه الرسول هنا يرد أيضًا في رسالته إلى أهل كورنثوس (1 كو 12: 12 الخ) حيث يبرز الرسول جمال الكنيسة في وحدتها وتكامل أعضائها معًا بكونهم جسدًا واحدًا متنوع المواهب... هذا المفهوم هو علاج لكل نفس متشامخة على إخوتها! يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [عظيمة هي قوّة هذا الدواء، وعظيمة هي قدرة هذا التشبيه، في علاج مرض الكبرياء. لماذا تنتفخ؟ أو لماذا يحتقر آخر نفسه؟ أليس جميعنا جسدًا واحدًا، العظيم منّا والصغير؟ إن كنّا في مجموعنا واحدًا، وأعضاءً لبعضنا البعض، فلماذا تعزل نفسك بالتشامخ؟ لماذا تهين أخاك؟ فكما هو عضو لك أنت عضو له. لقد قرر (الرسول) أمرين يكسران الروح المتكبر: الأول إننا أعضاء بعضنا لبعض، ليس فقط الصغير عضو للكبير وإنما الكبير أيضًا للصغير، والثاني إننا جسد واحد. بل توجد نقطة ثالثة، وهي أن العطيّة من قِبل النعمة، لذلك لا تستكبر، لأنها معطاة لك من الله... أيضًا إذ يمس موضوع المواهب لا يقل أن أحدًا أكبر وآخر أصغر بل ماذا؟ المواهب مختلفة! كلماته هكذا "لنا مواهب" ليست أقل وأعظم بل "مختلفة".] الآن يقدّم لنا الرسول عينات من المواهب: أولاً: "أنبوّة فبالنسبة إلى الإيمان" [6]. ماذا يعني بالنبوّة؟ لا يعني مجرّد الكشف عن أحداث مقبلة في هذا العالم، إنما غاية النبي الحقيقية هي إعلان أسرار الله نحو الإنسان، لبنيان الكنيسة، وتمتع البشريّة بالأمجاد المقبلة، أي الكشف لا عن أحداث زمنية، وإنما عن "المجد الأبدي". في العهد القديم كان عمل الأنبياء الرئيسي هو الانطلاق بشعب الله إلى ترجّي مجيء المسيّا المخلص خلال الرموز والظلال والنبوّات بطريقة أو أخرى، أمّا وقد جاء السيد المسيح صارت النبوّة في جوهرها هي الدخول بالنفوس إلى مجيئه الأخير لتنعم بشركة الميراث معه. هذا العمل ليس بشريًا، إنما هو عطيّة الله للناطق والمستمع، لذا تحتاج إلى الإيمان في حياة الاثنين لينعما بهذه البركة الإلهية. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [وإن كانت عطيّة لكنها لا تُسكب جزافًا، إنما يتوقف قياسها حسب مستقبليها، إنها تفيض متى وَجدت أوانٍِ للإيمان قدر ما تتسع.] ثانيًا: "أم خدمة ففي الخدمة" [7]. يقول القدّيس الذهبي الفم: [حتى الرسولية تُدعى خدمة، وكل عمل روحي هو خدمة. حقا أن "الخدمة" هي اسم خاص بوظيفة معيّنة (أي الدياكونية)، لكنه هنا يستخدم الكلمة بمعنى شامل.] يقصد الرسول كل خادم - أيّا كانت رتبته - ليعمل فيما أُوكِل إليه، أي في الخدمة، عِوض الانشغال بأعمال الآخرين. ليكون أمينًا في خدمته أيّا كانت هذه الخدمة! ثالثًا: "أم المعلم ففي التعليم" [7]. يميّز الرسول بين الرسل والأنبياء والمعلِّمين: "وضع الله أناسًا في الكنيسة، أولاً رُسلاً، ثانيًا أنبياء، ثالثًا معلِّمين" (1 كو 12: 28). ربّما يختلف المعلِّمون عن الأنبياء في تخصصهم للعمل التعليمي البحت كدراسات روحية بنّاءة. يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بدأ بمن هم أقل "الأنبياء"، ثم الأعظم "الرسل"، ثم عاد إلى الأقل "المعلِّمين" حتى ينزع كل فكر للكبرياء بسبب نوعيّة الموهبة. رابعًا: "أمّا الوعظ ففي الوعظ " [8]. يقوم التمييز بين الواعظ والمعلم على أساس أن الأول عمله الحثّ على التوبة، خاصة بين الجماهير. أمّا الثاني فيهتم بالفكر الدراسي الروحي. وإن كان غاية الكل هو التقاء كل نفس بالثالوث القدوس. ربّما عني بالوعظ الحديث التأملي العاطفي، أمّا التعليم فيقوم بالأكثر على دراسة موضوع معين. خامسًا: "المعطي فبسخاء" [8]. بعد أن استعرض المواهب الروحيّة الخاصة بالكرازة والتعليم والوعظ والعمل الرعوي صار يتحدّث عن العمل السلوكي كجزء لا يتجزأ من المواهب الروحيّة، فحين يحث المعطي أن يقدّم بسخاء، إنما يودّ أن يُعلن له أن يكون أمينًا في عطائه. يعطي بحبٍ كما بغير كيلٍ، يعطي بقلبه المتسع. وكما يقول السيد: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع 20: 25)، بمعنى إنه يعطي بفرحٍ وتهليلٍ، ولا ينتظر أجرة؛ يشعر بلذّة وبهجة روحية في عطائه أكثر مما في أخذه. جاءت الترجمة اليونانية الحرفيّة: "المعطي فببساطة"، لأن الإنسان البسيط يهب بسخاء. سادسًا: "المدبر فباجتهاد" [8]. ليكن المدبر للأمور الكنسية عاملاً باجتهاد روحي وغيرة مقدّسة. لا يفصل الرسول بين المواهب الكرازيّة والتعليميّة والرعويّة وبين الخدمات الحيّة (العطاء) أو التدبير. فالكنيسة وإن ضمت أعضاء لهم مواهب متنوعة لكنها ما دامت تقدّم بروح الإنجيل فهي متكاملة. سابعًا: "الراحم فبسرور" [9]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا يكفي أن نظهر رحمة، وإنما يليق بنا أن نقدّمها باتساع، بروح سمِحة، وليس فقط بروح سمِحة بل بروح فرحة مبتهجة... وقد ركّز على نفس النقطة بقوّة عندما كتب إلى أهل كورنثوس ليحثّهم على الاتساع، إذ يقول: "من يزرع بالشح فبالشح أيضًا يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضًا يحصد" (2 كو 9: 6). ولكي يصحّح مزاجهم يقول: "ليس عن حزن أو اضطرار" (2 كو 9: 7)... فإنك إن حزنت وأنت تصنع رحمة فأنت قاس وعنيف. إن كنت حزينًا كيف تقدر أن تسند الذين هم في حزن؟... هذا هو السبب في قوله "الراحم فبسرور"، لأنه كيف يكون حزين الملامح من يتقبّل الملكوت؟! من يبقى كئيب النظرة وهو ينال غفران خطاياه؟ إذن لا تفكّر في إنفاقك المال (عمل الرحمة) بل في الفيض الذي تناله خلال الإنفاق. فإن كان الذي يبذر يفرح مع أنه يبذر وهو غير متأكد من جهة الحصاد، كم بالأكثر من يُفْلِح السماوات؟ فإنك تعطي إنما القليل لتنال الكثير... بالفلسين حُسبت الأرملة أنها فاقت من قدّم وزنات كثيرة وذلك بسبب روحها المتسع.] 5. المحبّة الأخويةإذ حثنا الرسول على العمل، كل حسب موهبته، بروح متواضع، يسألنا أن نسلك بالحب الأخوي مترجمًا عمليًا بحب الخير للآخرين وكره الشرّ، وتقديم الآخرين في الكرامة، إذ يقول: "المحبّة فلتكن بلا رياء. كونوا كارهين الشرّ، ملتصقين بالخير. وادّين بعضكم بعضا بالمحبّة. مقدّمين بعضكم بعضًا في الكرامة" [9-10]. إن كان التواضع هو الخط الواضح في إضرام المواهب، فإن الحب هو الفكر السائد الذي يربط الكنيسة معًا في الرب كأعضاء حيّة متكاملة، تعيش معًا بروح الكمال، منسجمة معًا، تشارك بعضها البعض. يوصينا القدّيس باسيليوس الكبير: [يليق بالمسيحي أن يكون هادئًا في صوته، لا يجيب أحدًا أو يتصرف مع أحد بخشونة أو باستخفاف بل في كل شيء يسلك بحلم (في 4: 5) مكرمًا كل أحد.] حدّثنا الرسول بولس بفيض عن المحبّة (1 كو 13)، مبرزًا قوّتها وفاعليّتها بل وأبديّتها، ويوصينا الرسول بطرس: "لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة" (1 بط 4: 8)، ويرى القدّيس يوحنا أن ممارسة الحب أشبه بتمتّع بالقيامة، إذ يقول: "نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الإخوة" (1 يو 3: 14). المحبّة ليست عاطفة مجردة إنما هي تمتّع والتصاق بالخير خلال اتحادنا بربنا يسوع "المحبّة" ونفورنا من الشرّ... بهذا تنبع المحبّة من أعماق داخليّة وشركة مع الله، إذ يقول الرسول: "كل من يحب فقد وُلد من الله، ويعرف الله... لأن الله محبّة" (1 يو 4: 7-8). هذا ما يعنيه الرسول بقوله: "المحبّة فلتكن بلا رياء" [9]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان لك هذه (المحبّة)، فإنك لا تبالي بالخسارة المادية ولا بتعبك الشخصي، ولا بجهادك في الكلام، ومشقاتك وخدمتك بل تحتمل هذا كله بشجاعة... لكي تساعد أخاك... هذا هو الحب، إن اقتناه أحد يقتني كل شيء بعد ذلك.] هكذا يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم إن من له الحب الذي بلا رياء يمارس الوصايا السابق ذكرها، وأيضًا يبغض الشرّ من أعماقه، إذ يصير غريبًا عن الأعمال الشرّيرة فحسب، وإنما يكون غريبًا عن مجرّد الميل إلى الشرّ؛ يدخل في عداوة وبغضة وحرب ضد الرذيلة. ولا يقف الأمر عند الجانب السلبي أي بغض الشرّ، وإنما يلتصق بالخير. لقد أوصي الله الإنسان أن يلتصق بامرأته (تك 2: 24) ويكونا جسدًا واحدًا، هكذا يوصينا الرسول أن نلتصق بالخير، وكأنه زوجة نتّحد معها ونصير واحدًا معها. يترجم الرسول هذه المحبّة عمليًا من جانبين: المودة الأخوية وتقديم الآخرين في الكرامة [10]. ويوصينا القدّيس بطرس بالمودّة النابعة عن الحياة التقوية (2 بط 1: 7)، ويوصينا القدّيس بولس بتكريم الآخرين: "حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم" (في 3: 2). يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [حينما يقول "وادّين بعضكم بعضًا"، يعني كونوا أصدقاء وحارّين أيضًا. لا تنتظر أن يحبك الغير، بل اقفز نحوه بنفسك ولتكن أنت المبتدئ. بهذا تحصد أجرة محبته أيضًا. أظهر السبب لماذا يلزمنا أن نحب بعضنا بعضًا واخبرنا عن الطريق الذي فيه تلتهب المودة الثابتة، إذ أردف قائلاً: مقدّمين بعضكم بعضًا في الكرامة" [10]. هذا هو الطريق الذي يُنتج المودّة، والذي فيه تسكن مودّة بعد إنتاجها. ليس شيء يخلق أصدقاءً مثل السعي بغيرة لتكريم الإنسان قريبه.] 6. حرارة الروح"غير متكاسلين في الاجتهاد، حارين في الروح، عابدين الرب" [11]. إن كان الرسول بولس قد ركز أنظارنا على عطايا الله الفائقة ونعمته العاملة فينا، لنضرم مواهبه فينا بروح التواضع، ونسلك معًا بروح الحب، فإن الحياة المسيحية جهاد لا ينقطع. هي انتهاز لكل فرصة للعمل بروح الله باجتهاد لنحيا ملتهبين بالروح، عابدين الرب بقوة. يحثنا على الجهاد، قائلاً: "غير متكاسلين في الاجتهاد" [11]. وكما يقول الحكيم سليمان: "كل ما تجده يدك لتفعله فافعله بقوتك" (جا 9: 10)، "اذهب إلي النملة أيها الكسلان. تأمل طرقها وكن حكيمًا" (أم 6: 6). ويوصينا القديس بطرس الرسول: "وأنتم باذلون كل اجتهاد قدموا في إيمانكم فضيلة … لذلك بالأكثر اجتهدوا أيها الإخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين، لأنكم إذ فعلتم ذلك لن تزلوا أبدًا" (2 بط 1: 5- 10). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كيف نصير "غير متكاسلين في الاجتهاد (في الغيرة)، حارين في الروح"؟... أي نكون حارين ومتيقظين..... إن سكن الروح فيك يجعلك صالحًا لتحقيق تلك الأهداف، ويصير كل شيء سهلاً بالروح والحب، وتتلألأ أنت من كل جانب. إن كان روح الله نارًا متقدة، فإننا إذ نتجاوب معه يلهب أعماقنا، ويحولنا إلى لهيبٍ متقدٍ، لا تستطيع مياه كثيرة أن تُطفئه. هذا اللهيب الروحي يعلمنا كيف نعبد الرب بالروح والحق، لذا يكمل الرسول حديثه قائلاً: "عابدين الرب" [11].] يحدثنا القديس جيروم عن الوصية الرسولية: "حارين في الروح"، قائلاً: [عندما يقول الرسول: حارين في الروح، إنما يعني كونوا صادقين في الحكمة.] [ليهبنا الله ألا يزحف البرود إلى قلبنا (مت 24: 12)، فإننا لا نرتكب خطية إلا بعد أن تبرد المحبة... "إلهنا نار آكلة " (تث 4: 24)، فإن كان الله نارًا إنما لكي ينزع برودة الشيطان.] يلهبنا هذا الروح الناري، فنعبد الرب بالروح فوق حدود الزمن والأحداث، لنعيش بالروح في حالة نصرة دائمة وأعظم من نصرة، وكما يقول القديس البابا أثناسيوس الرسولي: [إن كنت تخشَ الأزمنة وتعمل بجبن فذهنك ليس ناضجًا. يليق بك أن تظهر غيرة نحو المسيح، وتواجه الظروف بشجاعة، مستخدمًا لغة الطوباوي بولس: "في هذه جميعها نحن أكثر من غالبين" (رو 8: 37). الأكثر هنا هو أننا نعبد الرب لا الزمن]. هكذا يرى البابا أثناسيوس في النفوس الضعيفة غير الحارة إنها عبدة الزمن لا الرب، تسلك في العبادة حسب الظروف والأحداث بروح الضعف لا الغلبة. 7. الفرح في الرجاءإذ يلهبنا الروح القدس فنعبد الرب فوق حدود الزمن نمتليء رجاءً بالأمور غير المنظورة فتفرح قلوبنا ويتسع قلبنا لاحتمال الضيق، ملتجئين إلى الله بالصلاة الدائمة، إذ يقول الرسول: "فرحين في الرجاء، صابرين في الضيق، مواظبين على الصلاة" [12]. يقول القديس أغسطينوس: [لنصغ ولنبتهج في الرجاء حتى وإن كان الحاضر حياة لا تُحب وإنما تُحتمل، إذ تكون لك القوة على احتمال كل تجاربها.] ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول في وصاياه هذه يقدم سلسلة من الإمكانيات تعين المؤمن في جهاده، إذ يعلق على هذه العبارة الرسولية، قائلاً: [هذه الأمور كلها هي وقود لهذه النار. فعندما طلب إنفاق المال [8] واحتمال التعب والتدبير باجتهاد [8] والتعليم [7] وغير ذلك من الأعمال يمدّ المصارع بالحب والروح خلال الرجاء. ليس شيء يجعل النفس شجاعة هكذا ومحبة للمخاطرة مثل الرجاء! وقبل نوالنا الأمور التي نترجاها يقدم لنا مكافأة هي: "صابرين في التجارب". قبل نوالنا الأمور المقبلة تتمتع في الحياة الحاضرة بصلاح عظيم خلال التجارب إذ تصير إنسانًا صبورًا ومجرّبًا. يقدم لنا أيضًا عونًا آخر: "مواظبين على الصلاة" الحب يجعل الأمور سهلة، والروح يعين، والرجاء ينير، والتجارب تصقلك فتجعلك مجربًا قادرًا على احتمال كل شيء بشهامة، يرافق هذا كله سلاح عظيم جدًا هو الصلاة. ها أنت تراه يقدم للمصارعة بكل طريقة قدمًا ثابتة، مظهرًا أن الوصايا تُمارس بطريقة سهلة]. 8. الشركة في احتياجات القديسينإن كان "الحب" هو الخط الواضح في كل هذه الوصايا الرسولية، فأحد ملامح هذا الخط العملي هو: "مشتركين في احتياجات القديسين، عاكفين على إضافة الغرباء" [13]. هذا هو ثمر طبيعي للعضوية في الجسد الواحد، إذ يشارك العضو أخاه في احتياجاته. نرى ذلك واضحًا في مساهمة أهل فيلبى في احتياجات القديس بولس الذي فرح لا بالعطية في ذاتها وإنما بثمر الحب المتكاثر، إذ كتب إليهم هكذا. "أرسلتم إليّ مرة ومرتين لحاجتي، ليس أني أطلب العطية، بل أطلب الثمر المتكاثر لحسابكم… فيملأ إلهي كل احتياجاتهم بحسب غناه في المجد في المسيح يسوع" (في 4: 16-19). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل: "معطين" بل قال: "مشتركين في احتياجات القديسين" مظهرًا أنهم ينالون أكثر مما يهبون، فإن الأمر هو تجارة، إذ هي "شركة". هل قدمت لهم مالاً ؟ هم يقدمونك شهمًا أمام الله. "عاكفين على إضافة الغرباء". لم يقل "مضيفين للغرباء" بل "عاكفين" عليها، ليعلمنا ألا ننتظر أن يسألوننا، لا يأتون هم بل نحن نجري إليهم لنعكف حتى نجدهم. هكذا فعل لوط، وأيضًا إبراهيم. فقد قضى إبراهيم كل يومه منتظرًا ضحية صالحة، وإذ رآها أسرع إليها وجرى للالتقاء بهم وسجد أمامهم إلى الأرض، وقال: "يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك" (تك 18: 3). ليس كما نفعل نحن عندما نرى غريبًا أو فقيرًا نقطب جبيننا ولا نود حتى الحديث معه. وبعد آلاف التوسلات نلين فنأمر الخادم أن يعطيه شيئًا تافهًا، ظانين أننا قمنا بواجبنا].
9. مباركة المضطهدين"باركوا على الذين يضطهدونكم، باركوا ولا تلعنوا" [14]. جاء الوصية الإلهية تأمرنا أن نبارك الذين يضطهدوننا (مت 5: 44؛ لو 6: 28). فإننا إذ كنا نستحق اللعنة حملها السيد المسيح عنا على الصليب ليهبنا بركته عاملة فينا، يليق بنا أن نرد له هذا العمل في خليقته التي يحبها فنحب الذين يضطهدوننا، مباركين إياهم… لقد صارت حياتنا بالمسيح تحمل بركته، فكيف نستطيع أن نلعن أحدًا ؟ لذلك يقول معلمنا يعقوب الرسول: "من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة؛ ألعل ينبوعًا ينبع من نفس عين واحدة العذب والمرّ؟" (يع 3: 10- 11). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل: لا تكن شتامًا ولا منتقمًا، وإنما سألنا ما هو أفضل: "باركوا على الذين يضطهدونكم"..... فإن إنسانًا يعمل بحكمة هكذا ، يمارس عمل الملائكة. بعد قوله "باركوا" قال "لا تلعنوا" لئلا نمارس الاثنين معًا. الذين يضطهدوننا يمدوننا بمكافأة لحسابنا. فإن كنت متعقلاً فلتضف إلى المكافأة مكافأة أخرى تقدمها لنفسك. هو يهبك الاضطهاد، هب لنفسك مباركتك للآخرين، بهذا تقتني علامة عظيمة جدًا لمحبة المسيح. فمن يلعن مضطهده يظهر أنه لا يُسر باحتمال الآلام من أجل المسيح، هكذا من يبارك يظهر عظمة حبه للمسيح.] 10. الشركة العملية"فرحًا مع الفرحين وبكاءً مع الباكين" [15]. لا تقوم هذه الشركة على فكر اجتماعي بحت أو مجاملات ظاهرية، وإنما عن شركة الأعضاء التي تشعر ببعضها البعض. ربما يسهل على الإنسان أن يحزن مع الحزين ويئن مع أناته، لكن يصعب جدًا أن يفرح مع فرح أخيه، هذا يتطلب نفسًا سامية، فلا يحسد أخاه على نجاحه، بل يفرح معه، حاسبًا كل نجاح لأخيه هو نجاح لنفسه. يقول الرسول: "فإن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه، وإن كان عضو يكرم فجميع الأعضاء تفرح معه، وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" (1 كو 12: 26-27). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس شيء يثبت الحب بقوة مثل المشاركة في الفرح والألم. ليس لأنك بعيد عن المتاعب تنعزل عن مشاركة الآخرين أيضا. فعندما يتعب قريبك احسب الضيق خاصًا بك. شاركه دموعه لكي تسند روحه المنسحقة، وشاركه فرحه ليصير الفرح فيه عميقًا متأصلاً؛ ثبتّ المحبة إذ بهذا تخدم نفسك أكثر من خدمتك له. فبدموعك تصير أنت رحومًا، وبمشاعر البهجة تنقي نفسك من الحسد والغم... إن كنت لا تستطيع أن تنزع عنه الشرور شاركه بدموعك، فتزيل عنه نصف الشر؛ وإن كنت لا تستطيع أن تزيد خيراته فشاركه فرحه فتضيف إليه أمرًا عظيمًا.] 11. التواضع"مهتمين بعضكم لبعض اهتمامًا واحدًا، غير مهتمين بالأمور العالية، بل منقادين إلى المتضعين؛ لا تكونوا حكماء عند أنفسكم" [16]. يحثنا على المحبة التي "لا تطلب ما لنفسها" (1 كو 13: 5) ، بل ما هو للغير (في 2: 4) كأنه لنفسها. هذا هو الحب الذي به يحب الإنسان قريبه كنفسه، مهتما اهتمامًا واحدًا، غير مميز بين ما هو لنفسه وما هو لغيره. بهذا الروح لا يهتم المؤمن بالأمور العالية، أي بغنى هذا العالم وأمجاده وكرامته، ولا بمعاشرة الأغنياء والعظماء لأجل غناهم وكرامتهم، بل ينقاد إلى النفوس المتواضعة وإلى الفقراء، حاملاً فكر المسيح، كقول الرسول: "فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد" (في 2: 5 - 7). وقد عاش السيد المسيح منقادًا إلى المتواضعين، إذ قيل: "أما اختار الله فقراء هذا العالم أغنياء في الإيمان ورثة الملكوت؟" (يع 2: 5). لنقبل فكر المسيح هذا ولا نسلك بالحكمة البشرية المتعجرفة: "لا تكونوا حكماء عند أنفسكم" [16]، وكما جاء في سفر الأمثال: "أرأيت رجلاً حكيمًا في عيني نفسه؟ الرجاء بالجاهل أكثر من الرجاء به" (أم 26: 12) ، لأن الجاهل قد يدرك جهله فيقبل المشورة، أما الحكيم في عيني نفسه فيعيش متصلفًا لا يقبل مشورة الله ولا نصح الكنيسة. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه الوصايا الرسولية، قائلاً: [مرة أخرى يركز على تواضع الفكر، الأمر الذي سبق فحث به، إذ كانت الاحتمالات قائمة لأن يمتلئوا تشامخًا إما بسبب مدينتهم (كعاصمة الدول الرومانية) أو لأسباب أخري متنوعة… ليس شيء يسبب انشقاقات في الكنائس مثل (المجد) الباطل. ماذا يعني بقوله: "مهتمين لبعضكم البعض اهتمامًا واحدًا" [16]؟ هل دخل فقير إلى بيتك؟ تشبه به في سلوكك؛ لا تضع أشياء فاخرة للمباهاة بغناك. ليس غني ولا فقير في المسيح. لا تخجل من الفقير بسبب ملابسه الخارجية بل اقبله من أجل إيمانه الداخلي. إن رأيته في حزن فلا تمتنع عن مواساته، وإن رأيته فرحًا فلا تخزه بل شاركه فرحه... احمل في ذهنك ماله كما لك أنت، إذ قيل: "مهتمين بعضكم لبعض اهتمامًا واحدًا". كمثال إن كنت تحسب نفسك إنسانًا عظيمًا فاحسبه هو أيضا كذلك... "غير مهتمين بالأمور العالية بل منقادين إلى المتضعين"[16]، بمعنى انزل إلى تواضعهم وشاركهم، سر معهم؛ لا تتواضع فقط من جهة الفكر، وإنما كن معينًا وابسط يدك إليهم، ليس كمن هم آخرون بل كأنهم شخصك أنت، كما يهتم الأب بطفله، والرأس بالجسد. وكما يقول في موضع آخر: "كأنكم مقيدون معهم" (عب13: 3)... "لا تكونوا حكماء عند أنفسكم" [16]. لا تظنوا أنكم تستطيعون العمل بذواتكم يقول الكتاب في موضع آخر: "ويل للحكماء في أعين أنفسهم، والفهماء عند ذواتهم" (إش 5: 21)... ليس شيء ينفخ البشر ويجعلهم يحسبون أنفسهم مختلفين عن غيرهم من البشر مثل ظنهم أنهم قادرون أن يعملوا بذواتهم. لذلك وضعنا الله في مكان فيه يحتاج كل للآخر؛ فإن كنت حكيمًا تشعر أنك محتاج للآخر، أما إن حسبت نفسك في غير احتياج إلى الغير فأنت أكثر الناس غباءً وضعفًا... لا تحسب نفسك أنك تنحط باحتياجك للغير، بل هذا بالأكثر يمجدك، ويجعلك أقوى، وأكثر بهاءً، وفي آمان أعظم.] 12. مسالمة الجميع"لا تجازوا أحدًا عن شرّ بشرّ، معتنين بأمور حسنة قدام جميع الناس. إن كان ممكنًا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس. لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء بل أعطوا مكانًا للغضب. لأنه مكتوب: لي النقمة أنا أجازي يقول الرب. فإن جاع عدوك فأطعمه، وإن عطش فاسقه، لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه. لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير" [17-21] أولاً: يعتني الإنسان المسيحي بأمور حسنة قدام جميع الناس، يهتم بالشهادة لله محب البشر، فلا يجد مجالاً لرد شر الآخرين بالشر... لا يتلائم هذا مع غايته ولا مع طبيعته الجديدة التي تمتع بها. ثانيًا: يقول "إن كان ممكنًا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس"، إذ يليق بنا بذل كل الجهد لنكسب كل نفس بالحب والسلام، لكن هناك أوضاع يستحيل فيها ذلك مثل مقاومة الهراطقة للإيمان، إذ يستحيل أحيانا مسالمتهم لأنهم يخدعون البسطاء إلى الجحود أو الإيمان المنحرف إن تسللوا إلى الكنيسة، أو إنكار أحد الزوجين الإيمان (1 كو 7: 15). ليتنا نبذل كل الجهد أن نسالم إن أمكن كل البشرية فننعم بسلام أورشليم السماوية فينا، وكما يقول القديس جيروم:[من كان ليس في سلام مع أخيه فهو خارج تخوم أورشليم.] ثالثا: ماذا يعني بقوله: "لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء، بل أعطوا مكانًا للغضب" [19]؟ إن كان يقصد به غضب الإنسان، فيعني أن نحتمل غضبه بالصبر، ونقابل ثورته بالحب كقول السيد المسيح: "لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضًا" (مت 5: 39). يرى القديس يوحنا الذهبي الفم إنه يقصد "غضب الله"، بمعنى ألا ينتقم الإنسان لنفسه تاركًا الأمر لله نفسه مدافعا عنه، إذ يقول: [اتركه لله ولتهتم أنت بأخطائك.] يقدم لنا القديس أمبروسيوس أبانا يعقوب كمثل حيّ للهروب من وجه أخيه عند غضبه، إذ يقول: [تمثل بالأب (إسحق) الذي بمشورة الأم (رفقة) جعلته يهرب بعيدًا من هي هذه الأم؟ إنها "رفقة" التي هي "الصبر".... لقد أحبت الأم ابنها لكنها فضلت أن يُحرم منها عن أن يحرم من الله (فأشارت عليه بالهروب من الغضب).] [تعلّم مشورة الصبر، مفضلاً أن يهرب ليعيش في أرض غريبة عن أن يثير غضب أخيه، ولم يرجع حتى شعر أن أخاه قد هدأ. بهذا وجد نعمة عظيمة لدى الله.] رابعا: ماذا يعني "تجمع جمر نار على رأسه"؟ هل نقدم الطعام للعدو الجائع والماء للظمآن بقصد إغاظته؟ إن الوصية بعيدة كل البعد عن هذا المفهوم، إنما تعني جمر نار روح الله الذي ينقي العدو بالتوبة حتى يدرك حبك مقابل عداوته. + إنها تعني أنك تنقي عدوك من الخطية، لأن صبرك يغلب مشورته. + بمعنى آخر، إنك تشفيه من رذائله بحرق حقده لترده بالتوبة. + حتى الناموس يعلمنا أن نحب العدو، فإن سقط حيوان العدو يلزمنا أن نرفعه، ويخبرنا الرسول:" فإن جاع عدوك فأطعمه، وإن عطش فاسقه، لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه"، لا بطريق اللعنة والإدانة كما يظن غالبية الناس وإنما بتهذيبه وجذبه إلى التوبة، فيغلبه الحنو، ويذوب بدفء الحب، فلا يصير بعد عدوًا. القديس جيرومخامسًا: يوصينا الرسول: "لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير" [21]، فإن كان الشر يجعل الإنسان ضعيفًا فلا تقابل الضعيف بالضعف، إنما قابله باتساع القلب في نضوج الحب. وكما يقول الأب يوسف: [بلطفنا نقهر غضبهم.... الإنسان الضعيف لا يقدر أن يعين الضعيف، ولا من يعاني أمرًا يقدر أن يشفي عليلاً مثله. أما من كان غير خاضع للضعف، فهذا يستطيع أن يقدم علاجًا للضعيف.] + + + مزمور إنجيل القداس : أما أنا فعلى رحمتك توكلت . يبتهج قلبى بخلاصك . أسبح الرب المحسن إلى . وأرتل لأسم الرب العالى : هلليلويا
إنجيل القداس : لو 11 : 1 – 10
1 و اذ كان
يصلي في موضع لما فرغ قال واحد من تلاميذه يا رب علمنا ان نصلي كما علم يوحنا
ايضا تلاميذه
الصلاة الربانيَّةحدَّثنا الإنجيلي عن دخول السيِّد المسيح بيت مريم ومرثا، فعبَّرت كل منهما عن محبَّتها له بطريق أو بآخر، انطلقت مرثا تخدمه بينما بقيت مريم جالسة عند قدميه تسمع كلامه (10: 39)، يلتهب قلبنا شوقًا للجلوس مع مريم عند قدميه باللقاء معه والصلاة. لهذا جاء الحديث التالي مركزًا على "الصلاة" يقول الإنجيلي: "وإذ كان يصلِّي في موضع، لما فرغ قال واحد من تلاميذه: يا رب علِّمنا إن نصلِّي كما علَّم يوحنا أيضًا تلاميذه" [1]. بلا شك حَفظ التلاميذ الكثير من الصلوات من العهد القديم أو خلال التقليد اليهودي، لكن سؤال التلميذ: "يا رب علِّمنا إن نصلِّي" يكشف عما رآه التلاميذ في السيِّد المسيح وهو يصلِّي. أدركوا صورة جديدة لم يذوقوها من قبل في عبادتهم، فاشتهوا إن يحملوا ذات الفكر والروح الواحد. مرَّة أخرى نقول إن أردنا إن يدخل الرب بيتنا ونخدمه كمرثا أو نتأمَّله كمريم فلا طريق للتمتَُّع باللقاء معه في الخدمة أو التأمُّل سوى الصلاة التي بها ننعم بحياة الكنيسة وكمالها على مستوى العمل والتأمُّل. يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [إن كان السيِّد له كل الصلاح بفيض فلماذا يصلِّي مادام كاملاً ولا يحتاج إلى شيء؟ نجيب: يليق به حسب تدبير تجسُّده إن يمارس العمل البشري في الوقت المناسب. فإن كان قد أكل وشرب فبحق اعتاد إن يصلِّي، معلِّمًا إيَّانا ألا نكون متهاونين في هذا الواجب، بل بالأحرى مجتهدين وملتهبين في صلواتنا.] هذا وقد جاء رأسًا للكنيسة، يحملنا فيه كأعضاء جسده، إذ يصلِّي إنما يصلِّي نائبًا عنَّا ولحسابنا، حملنا بصلاته إلى حضن أبيه، وصارت صلواتنا مقبولة لدى الآب خلال ابنه موضع سروره. بمعنى آخر بصلاته قدَّس صلواتنا، وفتح لنا أبواب اللقاء مع الآب فيه. إذ التهب قلب التلاميذ بحب الصلاة لما رأوه في السيِّد المصلِّي. بدأ يحدِّثهم عن الصلاة الربانيَّة : "فقال لهم: متى صليَّتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات" [2]. لا نستطيع إن نصلِّي كما ينبغي ما لم ندرك أولاً مركزنا بالنسبة له، فقد اختارنا أبناء الله، نحدِّثه من واقع بنوَّتنا التي نلناها كهبة مجانيَّة في مياه المعموديَّة بالرغم من شعورنا أننا لا نستحق إن نكون عبيدًا له. فيما يلي بعض تعليقات للآباء علي هذه العبارة: + يا لعظمة حب الله للبشر! فقد منح الذين ابتعدوا عنه وسقطوا في هاوية الرذائل غفران الخطايا، ونصيبًا وافرًا من نعمة، حتى أنهم يدعونه أبًا: "أبانا الذي في السماوات". السماوات هي أيضًا هؤلاء الذين يحملون صورة العالم السماوي، والذي يسكن الله فيهم ويقيم. القدِّيس كيرلس الأورشليمي + حين تبدأ الصلاة اِنسى كل خليقة منظورة وغير منظورة، وابدأ الصلاة بمدح الله خالق الكل، لذلك قيل: "فقال لهم متى صلَّيتم فقولوا أبانا". القدِّيس باسيليوس الكبير+ اُنظر أي إعداد عظيم تحتاجه لكي تستطيع إن تقول بدالة "أبانا". فإن كانت عيناك مركَّزتين علي الأرضيَّات وتطلب مجد الناس ومستعبدة لشهواتك، فإن نطقتَ بهذه الصلاة يبدو لي إن الله يجيبك: "ما دمت تحمل الحياة الفاسدة فلتدعو الفساد أبًا لك، إنك تُدنِّس بشفتيك النجستين الاسم الذي لا يتدنَّس". لقد أوصاك إن تدعوه أبًا فلا تنطق كذبًا. القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص+ تبدأ الصلاة بالشهادة عن الله (كأب لنا) كأنها مكافأة عن الإيمان... لقد وُضعت (هذه الصلاة) للذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا إن يصيروا أولاد الله (يو 1: 12). على أي الأحوال غالبًا ما يعلن الرب عن الله (الآب) كأب لنا، وقد أعطانا وصيَّة ألا ندعو لنا أبًا علي الأرض، بل الآب الذي في السموات (مت 23: 9)، فبهذه الصلاة نطيع الوصيَّة. مطوَّبون هم الذين يعرفون أباهم! وقد وجَّه هذا التوبيخ ضد إسرائيل إذ يُشْهد الروح السماء والأرض، قائلاً: "ربَّيْتُ بنين ولم يعرفونني" (إش 1: 2)... عندما نذكر الآب نستدعي أيضًا الابن، إذ يقول: "أنا والآب واحد" (يو 10: 30)، وأيضًا لا نتجاهل الكنيسة أُمِّنا، إذ تُعرف الأم خلال الآب والابن، وخلالها يظهر اسم كل من الآب والابن. بتعبير واحد عام، أو بكلمة، نحن نكرم الآب مع ابنه... ونذكر الوصيَّة، ونضع علامة للذين نسوا أبيهم. العلامة ترتليان + [إذ نصلِّي لله أبينا يليق بنا ألا ننشغل بغيره، لا بخليقة أرضيَّة ولا أرواح شرِّيرة أو حتى ملائكة.] كان قدِّيس آخر يعيش حياة الوحدة في البرِّيَّة، هاجمته الشيَّاطين وأحاطت به لمدة أسبوعين، يتقاذفونه في الهواء ويتلَّقونه علي حصيرة، لكنهم باطلاً حاولوا إن يسحبوه من صلاته الملتهبة. وجاء ملاكان إلى آخر كان محبَّا لله، مكرِّسًا حياته للصلاة، فإذ كان سائرًا في البرِّيَّة وقد رافقاه في رحلته، واحد عن يمينه والآخر عن يساره، لكنه لم يلتفت إليهما لئلاَّ يفقد ما هو أفضل، واضعًا في ذهنه نصيحة الرسول بولس "لا ملائكة ولا رئاسات ولا قوات تقدر إن تفصلنا عن محبَّة المسيح" (رو 8: 38). بالصلاة الحقيقيَّة يصير الراهب ملاكًا آخر، إذ يتوق لرؤية وجه الآب في السموات في غيرة متَّقدة. + من يحب الله يحيا معه ويصلِّي إليه علي الدوام كأب، متجرِّدًا من كل فكر هوَى. الأب أوغريس"ليتقدَّس اسمك" [2]. يرى العلامة أوريجينوس إن الوثنيِّين يُجدّفون على اسم الله إذ ينسبونه للأصنام، وكأن الصلاة هنا هي صرخة الكنيسة لله إن ينزع العبادة الوثنيَّة عن العالم ليُعرف اسمه مقدَّسا في كل البشريَّة. بنفس المعني يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [إذ يُزدرى باسم الله بين الذين لم يؤمنوا به بعد، فإنه عندما تشرق أشعَّة الحق عليهم يعترفون بقدُّوس القدِّيسين.] على أي الأحوال إن كان اسم السيِّد المسيح يمجد الآب، فإننا إذ نقتني اسمه بالحق فينا يتقدَّس اسم الآب في حياتنا ويتمجَّد فينا، فمن كلمات الآباء في هذا الشأن: v كما إذ تطلَّع إنسان إلي جمال السماوات يقول: المجد لك يا رب، هكذا من ينظر أعمال إنسانٍ فاضلٍ يرى فضيلته تمجِّد الله أكثر من السماوات. القدِّيس يوحنا الذهبي الفم + اسم الله مقدَّس بطبيعته، إن قلنا أو لم نقل، لكن بما أن اسم الله يُهينه الخطاة كما هو مكتوب: "اسمي يُجدَّف عليه بسببكم بين الأمم" (رو 2: 24؛ إش 52: 5)، فنحن نطلب إن يتقدَّس اسم الله فينا، لا بمعنى إن يصبح مقدَّسًا، كأنه لم يكن مقدَّسا فينا نحن الذين نسعى إلى تقديس أنفسنا وممارسة الأعمال اللائقة بتقديسنا. القدِّيس كيرلس الأورشليمي يري العلامة ترتليان إن عمل الملائكة هو الترنُّم بتسبحة الثلاث تقديسات: "قدُّوس، قدُّوس، قدُّوس" (إش 6: 3، رؤ 4: 8)، ونحن أيضًا إذ نقدس اسمه نرتفع إلى الله لنمارس شركة المجد العتيد، نشارك السمائيِّين تسابيحهم. إن كان السيد المسيح يمجد اسم الآب (يو 17: 6)، فإننا إذ نثبت فيه ونمارس حياته يتمجَّد الآب بابنه الحال فينا. "ليأت ملكوتك" [2]. + يليق بالنفس الطاهرة إن تقول بثقة "ليأت ملكوتك"، لأن الذي يسمع بولس يقول: "لا تملُكن الخطيَّة في جسدكم المائت" (رو 6: 12)، يعمل علي تطهير نفسه بالفعل والفكر والقول، ويستطيع القول: "ليأت ملكوتك". القدِّيس كيرلس الأورشليمي+ نسأل أيضًا الرب إن يُخلِّصنا من الفساد لينزع الموت أو كما قيل "ليأت ملكوتك"، أي ليحل الروح القدس علينا ويطهرنا. القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص+ الذين ينطقون بهذا يبدو أنهم يرغبون في مخلِّص العالم إن ينير العالم مرَّة أخرى. القدِّيس كيرلس الكبيرإن كان الشهداء يتعجَّلون مجيء الرب لوضع حد للشرّ، قائلين: "حتى متى أيها السيِّد القدُّوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين علي الأرض؟" (رؤ 6: 10)، فإن المؤمنين وقد انفتح أمامهم باب السماء وأدركوا نصيبهم في الميراث الأبدي يتعجلون مجيئه الأخير لينالوا هذا المجد الأبدي. "لتكن مشيئتك، كما في السماء، كذلك علي الأرض" [2]. + ملائكة الله الطوباويون الإلهيون يصنعون مشيئة الله كما يرنَّم داود قائلاً: "باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوَّة، الفاعلين كلمته" (مز 103: 20) فعندما تُصلِّي بقوَّة تود القول: كما تتم مشيئتك في ملائكتك، فلتتم هكذا فينا نحن علي الأرض يا رب. القدِّيس كيرلس الأورشليمي+ كأنه يقول: اجعلنا يا رب قادرين إن نتبع الحياة السماويَّة، فنريد نحن ما تريده أنت. القدِّيس يوحنا الذهبي الفم"خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم" [3]. يوصينا الرب أن نطلب حتى الأمور الخاصة بإشباع الجسد من الله، إذ هو أبونا الذي يهتم بنفوسنا كما بأجسادنا. لكنه يسألنا لا إن نطلب ترف الجسد وتدليله إنما الكفاف، لكي يسندنا الجسد حتى نتمم رسالتنا. يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [ربَّما يظن البعض أنه لا يليق بالقدِّيسين إن يطلبوا من الله الجسديَّات، لهذا يعطون لهذه الكلمات مفاهيم روحيَّة، لكن وإن كان يليق بالقدِّيسين أن يعطوا الاهتمام الرئيسي للروحيات لكنهم يطلبون بلا خجل خبزهم العام كوصيَّة الرب. في الحقيقة يسألهم إن يطلبوا خبزًا، أي طعامًا يوميًا، وفي هذا دليل أنهم لا يملكون شيئًا بل يمارسون الفقر المكرم، فإنه لا يطلب الخبز من كان لديه خبزًا بل من هو في عوز إليه.] ويرى القدِّيس باسيليوس إن هذه الصلاة التي علَّمنا إيَّاها السيِّد تعني التزامنا بالالتجاء لله، لنخبره كل يوم عن احتياجات طبيعتنا اليوميَّة. ويرى كثير من الآباء هذا الخبز اليومي هو "المسيح" يسوع ربَّنا، الذي ننعم به كخبز سماوي يومي، بدونه تصير النفس في عوَز. يقول العلامة ترتليان: [المسيح هو خبزنا، لأنه هو الحياة، والخبز هو الحياة. يقول السيِّد: "أنا هو خبز الحياة" (يو 6: 35)، يسبق ذلك قوله: "خبز الله هو (كلمة الله الحيّ) النازل من السماء" (يو 6: 33). جسده أيضًا يُحسب خبزًا.] ويرى القدِّيس أغسطينوس إن هذا الخبز اليومي هو التمتُّع بقيامة السيِّد المسيح، لكي نختبر كل يوم قوَّة قيامته عاملة فينا. "واغفر لنا خطايانا، لأننا نحن أيضًا نغفر لكل من يُذنب إلينا" [4]. + الإساءات إلينا صغيرة وطفيفة، ومن السهل علينا إن نغفرها، أما إساءتنا نحن نحو الله فكبيرة ولا سبيل لنا غير محبَّته للبشر، فاحذر إذن من إن تمنع الله - بسبب ما لحق بك من إساءات صغيرة طفيفة - إن يغفر لك ما ارتكبته نحوه من ذنوب كبيرة. القدِّيس كيرلس الأورشليمي"ولا تُدخلنا في تجربة" [4]. + ربَّما تعني: لا تدع التجربة تغمرنا وتجرفنا باعتبار التجربة سيلاً عارمًا يصعب اجتيازه، فالذين لا تغمرهم التجربة يجتازون السيل كالسبَّاحين الماهرين الذين لا يتركون التيَّار يجرفهم. القدِّيس كيرلس الأورشليمي+ لا يليق بنا إن نطلب الضيقات الجسديَّة في صلواتنا، إذ يأمر المسيح البشر بوجه عام إن يصلُّوا كي لا يدخلوا في تجربة، لكن إن دخل أحد فعلاً فيلزمه إن يطلب من الرب قوَّة اِحتمال لتتحقِّق فينا الكلمات: "الذي يصبر إلى المنتهي فهذا يخلُص" (مت 10: 22). القدِّيس باسيليوس يميِّز العلامة ترتليان بين التجربة التي هي بسماح من الله، وهي لا تعني "تجربة" بالمفهوم العام إنما "امتحان" لأجل تزكيتنا، أما عدو الخير فيجُرِّبنا بمعنى أنه يخدعنا، وكأننا نصلِّي ألا ندخل في تجربة بمعنى أن يسندنا ضد حِيَل إبليس وخداعاته. " لكن نجِّنا من الشرِّير" [4]. + لو كانت عبارة: "لا تدخلنا في تجربة" تعني ألا نُجرَّب أبدًا، لما أضاف الرب "لكن نجِّنا من الشرِّير". الشرِّير هو عدوُّنا إبليس، ونحن نطلب النجاة منه. القدِّيس كيرلس الأورشليميأخيرًا فإن العلامة ترتليان يؤكِّد إن الصلاة الربَّانيَّة هي الأساس الذي وضعه السيِّد المسيح لصلواتنا؛ تفتح لنا بابًا للصلاة لكي يطلب كل منَّا ما يناسبه لكن خلال ذات الفكر الذي لهذه الصلاة. هذا وأن الصلاة الربَّانيَّة مع صِغر حجمها تحوي الكثير، ألا وهو: [مجد الله بالقول: "أبانا"، شهادة الإيمان بالقول: "يتقدَّس اِسمك"، تقديم الطاعة في "لتكن مشيئتك"، تذكار الرجاء في "خبزنا كفافنا"، المعرفة الكاملة لخطايانا (لديوننا) خلال الصلاة من أجل نوال المغفرة. الرعب الشديد من التجربة بطلب الحماية. يا للعجب! الله وحده يقدر إن يعلِّمنا بنفسه ما يريدنا إن نصلِّيه.]2. الصلاة بلجاجةإن كان السيِّد قد قدَّم لنا نموذجًا حيًا للصلاة، فإنه إذ يطلب منَّا العبادة الملتهبة بالروح، سألنا إن نصلِّي بلجاجة، ليس لأنه يستجيب لكثرة الكلام، وإنما ليُلهب أعماقنا نحو الصلاة بلا انقطاع. يشتاق الله إن يعطي، وهو يعرف اِحتياجاتنا واِشتياقاتنا الداخليَّة، لكنه يطالبنا باللجاجة لنتعلَّم كيف نقف أمامه وندخل معه في صلة حقيقيَّة. يقول الأب إسحق: [الله في اشتياقه إن يهبنا السماويات والأبديَّات يحثُنا إن نضغط عليه بلجاجتنا. أنه لا يحتقر اللجاجة، ولا يستخف بها، بل بالفعل يُسر بها ويمدحها.] ويقول القدِّيس أغسطينوس: [ما كان ربَّنا يسوع المسيح الذي في وسطنا يسألنا إن نطلب من الله كعاطي، يحثُّنا هكذا بقوَّة إن نسأل، لو لم يرد إن يعطي. إنه يُخجل تهاوننا، إذ يود إن يعطي أكثر من رغبتنا نحن في الأخذ. يود إن يُظهر رحمة أكثر من رغبتنا نحن في الخلاص من البؤس... الحث الذي يقدِّمه لنا إنما هو لأجلنا.] ويقول الأب أوغريس: [إن كنت لم تنل بعد موهبة الصلاة أو التسبيح فكن لجوجًا فتنل.] ويقول القدِّيس كيرلس الكبير: "علِّمنا المخلِّص من قبل في إجابته على سؤال تلاميذه كيف ينبغي علينا إن نصلِّي. ولكن ربَّما يمارس الذين يتقبُّلون هذا التعليم الصلاة بنفس الشكل الذي قدَّمه الرب، وإنما بإهمال وفتور، فإن لم يُسمع لهم في الصلاة الأولى والثانية يتركون الصلاة. ربَّما يكون هذا هو حالنا، لذلك يقدِّم لنا السيِّد هذا المثل ليعلن لنا إن التخوُّف في الصلاة مضِر، وأما الصبر فنافع جدًا.] قدَّم لنا الرب هذا المثل: "من منكم يكون له صديق ويمضي إليه نصف الليل ويقول له: يا صديق اِقرضني ثلاثة أرغفة. لأن صديقًا لي جاءني من سفر، وليس لي ما أقدِّم له. فيجيب ذلك من داخل، ويقول: لا تزعجني، الباب مغلق الآن، وأولادي معي في الفراش، لا أقدر إن أقوم وأعطيك. أقول لكم وإن كان لا يقوم ويعطيه لكونه صديقه، فإنه من أجل لجاجته يقوم ويعطيه قدر ما يحتاج" [5-8].
ويلاحظ في هذا المثال الآتي: أولاً: إن كان غاية هذا المثَل الأولى هي حثِّنا على اللجاجة في الصلاة حتى ننعم بطلبتنا، فإننا نلاحظ هنا إن السيِّد المسيح يقدِّم الأب صديقًا للبشريَّة، إذ يقول: "من له صديق ويمضي إليه نصف الليل". يقول الأب ثيوفلاكتيوس: [الله هو ذاك الصديق الذي يحب كل البشريَّة ويريد إن الكل يخلُصون". ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [من هو صديق لنا أعظم من ذاك الذي بذل جسده لأجلنا؟ فمنه طلب داود في نصف الليل خبزات ونالها، إذ يقول: "في نصف الليل سبَّحتك على أحكام عدلك" (مز 119: 62)، نال هذه الأرغفة التي صارت غذاء له. لقد طلب منه في الليل: "أُعوِّم كل ليلة سريري" (مز 6: 6)، ولا يخش لئلاَّ يوقظه من نومه إذ أنه عارف إن (صديقه الإلهي) دائم السهر والعمل. ونحن أيضًا فلنتذكَّر ما ورد في الكتب ونهتم بالصلاة ليلاً ونهارًا مع التضرُّع لغفران الخطايا، لأنه إن كان مِثل هذا القدِّيس الذي يقع على عاتقه مسئوليَّة مملكة كان يسبِّح الرب سبع مرَّات كل يوم (مز 119: 164)، ودائم الاهتمام بتقدِّمات في الصباح والمساء، فكم بالحري ينبغي علينا إن نفعل نحن الذين يجب علينا إن نطلب كثيرًا من أجل كثرة سقطاتنا بسبب ضعف أجسادنا وأرواحنا حتى لا ينقصنا لبنياننا كسرة خبز تسند قلب الإنسان (مز 103: 15)، وقد أرهقنا الطريق وتعبنا كثيرًا من سبل هذا العالم ومفارق هذه الحياة.] كأن السيِّد المسيح يطالبنا إن نلجأ إليه كصديق إلهي حقيقي، في كل وقت، حتى في منتصف الليل، نتوسَّل إليه ليمدِّنا بالخبز السماوي المشبع للنفس والجسد. ثانيًا: إن كان الله يقدِّم نفسه صديقًا لنا نسأله في منتصف الليل ليهبنا خبزًا سماويًا من أجل الآخرين القادمين إلينا أيضًا في منتصف ليل هذا العالم جائعين، فإن السيِّد حسب هؤلاء أيضًا أصدقاء لنا؛ فنحن نطلب من الصديق الإلهي لأجل أصدقائنا في البشريَّة. يرى القدِّيس أغسطينوس إن هذا الصديق القادم من الشارع أي من العالم، قادم إلينا كما من طريقه الشرِّير، مشتاقًا إن يتمتَّع بالحق، فلا نستطيع إن نستضيفه ونشبعه ما لم نسأل الله أولاً فنتأهَّل للتمتُّع بالثلاث خبزات، أي بالإيمان الثالوثي. ثالثًا: إن كان الشخص قد جاء إلى صديقه في منتصف الليل يطلب من أجل صديقه الذي قدُم إليه من سَفر، أمَا كان يكفي إن يسأل رغيفًا واحدًا أو يطلب رغيفين، فلماذا طلب ثلاثة أرغفة؟ أ. إننا إذ نلتقي بعريسنا المخلِّص وسط هذا العالم بتجاربه الشرِّيرة، كما لو كنا في نصف الليل، نطلب لأنفسنا كما للآخرين ثلاثة أرغفة لكي تشبع أرواحنا ونفوسنا وأجسادنا؛ فالله وحده هو المُشبع للإنسان لكل كيانه. وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا: [نطلب من الله ثلاث خبزات، أي اشباع احتياجات جسد الإنسان ونفسه وروحه، فلا يصيبنا خطر في تجاربنا.] هنا ندرك الفهم الإنجيلي للحياة المقدَّسة أو للعفَّة، فالإنسان العفيف أو المقدَّس في الرب لا يعيش في حرمان، إنما يتقبَّل من يديّ الله ما يُشبع حياته كلها ويرويها، فتفرح نفسه وتتهلَّل روحه، ويستريح أيضًا جسده حتى وإن عانى أتعاب كثيرة من أجل الرب. لهذا كان المعمَّدون حديثًا في الكنيسة الأولى ينشدون بعد عمادهم مباشرة هذا المزمور: "الرب راعيّ فلا يعْوِزني شيء، في مراعٍ خضر يربضُني، وإلى مياه الراحة يورِدني، يرُد نفسي، يهديني إلى سبل البرّ..." ب. يرى القدِّيس أغسطينوس إن هذه الخبزات الثلاث هي إيماننا الثالوثي، فإن أرواحنا ونفوسنا وأجسادنا لن تشبع داخليًا إلا بالثالوث القدُّوس، ثالوث الحب الذي يملاْ الداخل ويفيض علينا بالطوباويَّة، إذ يقول: [من كان وسط التعب يلزمه إن يسأل الله فينال فهم الثالوث، به يستريح من متاعب هذه الحياة الحاضرة. فإن ضيقته هي نصف الليل التي تدفعه نحو طلب الثالوث. لنفهم الثلاث خبزات الثالوث الذي هو جوهر واحد... حينما تنال الثلاث خبزات، أي طعام معرفة الثالوث، يكون لك مصدر الحياة والطعام، فلا تخف، ولا تتوقَّف، فإن هذا الطعام بلا نهاية، إنما يضع نهاية لعوزك. تعلَّم وعلِّم، عش واِطعِم.] في موضع آخر يقول: [ما هذه الخبزات الثلاث إلا طعام السرّ السماوي؟] وفي شيء من التفصيل أيضًا يقول: [الآن لا حاجة للخوف من قدوم غريب إليك من طريقه، وإنما باستضافتك له في الداخل يمكنك إن تجعله مواطنًا وابنًا للبيت، لا تخف فإن الخبز لن ينتهي. الخبز هو الله الآب والابن والروح القدس... تعلَّم وعلِّم، عش واِطعم الآخرين. الله هو الذي يعطيك، لا يعطيك أفضل من ذاته. أيها الطمَّاع ماذا تطلب بعد؟] ج. يرى أيضًا القدِّيس أغسطينوس في هذه الخبزات الثلاث عطايا الله الفائقة للبشريَّة، ألا وهي الإيمان والرجاء والمحبَّة، إذ يقول: [من الضروري إن تأخذ محبَّة وإيمانًا ورجاءً، فإن ما يعطيه لك يكون لك حلوًا. هذه الأمور ـ الإيمان والرجاء والمحبَّة ـ ثلاثة، وهي عطايا الله، فإنك تتقبَّل الإيمان من الله، إذ قيل: "كما قسَّم الله لكل واحدٍ مقدارًا من الإيمان" (رو 12: 3). وأيضًا الرجاء نتقبَّله من ذاك الذي قيل له: "جعلتني أترجَّاه" (مز 118: 49). ومنه نتقبَّل المحبَّة، إذ قيل: "لأن محبَّة الله قد اِنسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا" (رو 5: 5).] رابعًا: يقول السيِّد: "فيجيب ذلك من داخل، ويقول: لا تزعجني، الباب مغلق الآن، وأولادي معي في الفراش، لا أقدر أن أقوم وأعطيك" [7]. يصوِّر لنا السيِّد المسيح هذا الصديق أنه يجيب من داخل، لا يخرج إليه مع إن الوقت حرج، وكان يليق بالصديق إن يفتح ليطمئن على القارع؛ وفي إجابته يعلن أن تصرُّف هذا السائل أو القارع مزعج، وأن الباب مغلق، وأولاده في الفراش، وأنه عاجز عن القيام والعطاء. ومع هذا استطاع صديقه بلجاجته أن يغتصب منه طلبه! فكم بالأكثر الله يهب سائليه إن طلبوا بإلحاح، علامة صدق طلبهم، خاصة وأن الله ليس كهذا الصديق يجيب من داخل، بل خرج إلينا خلال التجسَّد، وجاءنا كلمة الله حالاً في وسطنا، يحدِّثنا فمًا لفمٍ، نازعًا الحجاب الحاجز بين السماء والأرض. وهكذا لم يعد بعد الباب مغلقًا بل هو مفتوح للجميع، يريد إن الجميع يخلُصون وإلى معرفة الحق يُقبلون. أولاده ليس معه في الفراش، إذ هو لا ينام وملائكته وقدِّيسوه أيضًا يسهرون، عاملين بصلواتهم وتضرُّعاتهم من أجل النفوس التائهة والمحتاجة. لا يقول الرب: "لا أقدر إن أقوم وأعطيك"، إذ قام الرب من الأموات وأعطانا حياته المُقامة عاملة فينا! هكذا قدَّم لنا الرب صورة مؤلمة للصديق البشري، الذي ننال منه طلباتنا خلال اللجاجة، بالرغم من الظروف المقاومة، فكم بالأكثر ننال من الرب نفسه؟ يقول القدِّيس أغسطينوس: [إن كان الشخص النائم التزم إن يعطي قسرًا بعد إزعاجه من نومه لذاك الذي يسأله، فكم بالحري إن يُعطى بأكثر حنو ذاك الذي لا ينام، بل ييقظنا من نومنا لكي نسأله إن يعطينا؟] لعلَّ قوله: "الباب مغلق الآن" يشير إلى إغلاق باب فهمنا عن إدراكه، فإن الله لا يريد بابًا مغلقًا يحجب أعماقنا عن الالتقاء معه، لكننا نحن نُحكم إغلاق الباب خلال عِصياننا وجهلنا لأعماله الخلاصيَّة. يقول القدِّيس أوغسطينوس: [الوقت الذي يُشار إليه هنا هو وقت مجاعة الكلمة حين يُغلَق الفهم، والذين يوزِّعون حكمة الإنجيل كخبزٍ، خلال الكرازة في العالم الآن هم في مواضع راحة مع الرب.] فإن كان العالم قد أغلق الباب بعصيانه، فإن عمل الكنيسة إن تطلب ليفتح الرب هذا الباب للكارزين، حتى ينطلقوا بالنفوس إلى حيث الراحة والشبع في الرب. يقول القدِّيس أمبروسيوس: [اِطرح عنك نوم الغفلة لتقرع باب المسيح. لقد طلب بولس إن يُفتح له هذا الباب ليتكلَّم عن سِرّ المسيح (كو 3: 4)، ربَّما هذا هو الباب الذي رآه يوحنا مفتوحًا: "بعد هذا نظرت، وإذا باب مفتوح في السماء، والصوت الأول الذي سمعته كبوق يتكلَّم معي قائلاً: اِصعد إلى هنا، فأُريك ما لابد إن يصير بعد هذا" (رؤ 4: 1) فُتح الباب ليوحنا وأيضًا لبولس لينالا من أجلنا أرغفة لغذائنا، لأنهما ثابَرَا وقرعا الباب في وقت مناسب ووقت غير مناسب (2 تي 4: 2)، ليُعيد الحياة للأمم الذين تعِبوا وأُرهَقوا من طريق العالم بوفرة الغذاء السماوي.] خامسًا: يحثُّنا ربَّنا يسوع على الصلاة بلجاجة، إذ يختم المثَل بقوله: "أقول لكم وإن كان لا يقوم ويعطيه لكونه صديقه، فإنه من أجل لجاجته يقوم ويعطيه قدر ما يحتاج. وأنا أقول لكم: اِسألوا تعطوا، اُطلبوا تجدوا، اِقرعوا يفتح لكم" [8-9]. يقول القدِّيس أغسطينوس: [ماذا يعني بقوله: لأجل لجاجته؟ لأنه لم يكف عن القرع، ولا رجع عندما رُفض طلبه... قد يبطئ الله أحيانًا في إعطائنا بعض الأمور، لكي يُعرِّفنا قيمة هذه الأشياء الصالحة، وليس لأنه يرفض إعطاءها لنا. الأمور التي نشتاق إليها كثيرًا ما ننالها بفرحٍ عظيم، أما التي توهب لنا سريعًا فإنها تُحسب زهيدة. إذن لتسأل وتطلب وتلح، فبالسؤال نفسه والطلب أنت نفسك تنمو فتنال أكثر.] كما يقول: [بالصلاة التي نمارسها خلال الطلبات التي نشتهيها ننال ما هو مستعد أن يمنحه. عطاياه عظيمة جدًا لكننا نحن صغار وضيِّقون في إمكانيَّاتنا عن أن ننالها.] يقول القدِّيس باسيليوس: [ربَّما يؤخِّر الطلبة عن عمد لكي تضاعف غيرتك ومجيئك إليه، ولكي تعرف ما هي عطيَّة الله، وتحرص عليها بشغف عندما تنالها. ما يناله الإنسان بتعبٍ شديدٍ يجاهد على حفظه لئلاَّ بفقده يفقد تعبه أيضًا.] لماذا يقول: [اِسألوا... اُطلبوا... اِقرعوا]؟ أ. ربَّما للتأكيد، فإنه يلحْ علينا أن نسأل ونطلب ونقرع، لأنه يريد أن يعطينا، وكما يقول القدِّيس أغسطينوس: [ما كان يشجِّعنا هكذا أن نسأله لو لم يرد أن يعطينا. ليُنزع عنَّا الكسل البشري فإنه يود أن يعطينا أكثر مما نسأل.] يقول القدِّيس باسيليوس: [يليق بنا أن نسأل العون الإلهي لا بكسلٍ ولا بفكر مشتَّت هنا وهناك، فإن إنسانًا كهذا ليس فقط لا ينال ما يسأله، بل بالحري يُغضب الله، لو أن إنسانًا يقف أمام رئيس تكون عيناه ثابتتين في الداخل والخارج حتى لا يتعرَّض للعقوبة، فكم بالحري يليق بنا أن نقف أمام الله بحرص ورعدة؟ لكنك إن كنت تُثار بخطيَّة ما، فلا تقدر أن تُصلِّي بثبات بكل قوِّتك. راجع نفسك حتى متى وقفت أمام الله تركِّز فكرك فيه، والله يغفر لك، لأنك ليس عن إهمال بل عن ضعف لم تستطع إن تظهر أمامه كما ينبغي. إن ألزمت نفسك بهذا فإنك لا تتركه حتى تنال. فإن لم تنل ما تسأله يكون ذلك لأن سؤالك غير لائق أو بغير إيمان، أو لأنك قدَّمته باستهانة، أو تسأل أمورًا ليست بصالحك، أو لأنك تركت الصلاة. كثيرًا ما يسأل البعض لماذا نصلِّي؟ هل يجهل الله ما نحتاج إليه؟ أنه بلا شك يعرف ويعطينا بفيض كل الزمنيَّات حتى قبل أن نسألها، لكن يجب علينا أولاً أن نطلب الصالحات وملكوت السماوات، عندئذ ننال ما نرغب لنسأل بإيمان وصبر، نسأل ما هو صالح لنا، ولا نعوق الصلاة بعصيان ضميرنا.] ب. لعلَّ التكرار ثلاث مرات: اِسألوا، اُطلبوا، اِقرعوا، يعني أننا لا نسأله فقط بأفكارنا أو نيَّاتنا الداخليَّة، وإنما أيضًا بشفاهنا كما بأعمالنا. وكأنه يليق أن تنطلق صلواتنا خلال تناغم الفكر مع الشفتين والسلوك، فتخرج رائحة بخور مقدَّسة من أعماق مقدَّسة وكلمات مباركة وأعمال مرضيَّة لدى الله. لعلَّه بفكر مشابه يقول القدِّيس ساويرس الأنطاكي: [ربَّما يعني بكلمة "اِقرعوا" اُطلبوا بطريقة فعّالة، فإن الإنسان يقرع باليد، واليد هي علامة العمل الصالح. وربَّما التمايز بين الثلاثة يكون بطريقة أخرى، ففي بداية الفضيلة نسأل معرفة الحق، أما الخطوة الثانية فهي أن نطلب كيف نسلك هذا الطريق. والخطوة الثالثة عندما يبلغ الإنسان الفضيلة يقرع الباب ليدخل حقل المعرفة المتَّسعة. هذه الأمور الثلاثة كلها يطلبها الإنسان بالصلاة. وربَّما "يسأل" تعني "يصلِّي"، و"يطلب" تعني "يصلِّي بواسطة الأعمال الصالحة التي نمارسها بطريقة تتناسب مع صلواتنا"، و "نقرع" تعني الاستمرار في الصلاة بلا انقطاع.] بمعنى أخر إن السؤال والطلب والقرع إنما يعني وِحدة الصلاة مع الحياة العمليَّة في الرب، نسأل أن يبدأ معنا، ونطلب إليه إن يكمِّل الطريق، ونقرع لكي ينهي جهادنا بالمجد الأبدي، فهو البداية والنهاية كما أنه هو المرافق لنا وسط الطريق، أو بمعنى أدَق هو طريقنا: به نبدأ وبه نستمر وبه نكمِّل. ولكي يشجِّعنا السيِّد المسيح على السؤال والطلب والقرع، كشف حقِّنا البنوي في الطلب، فمن حقِّنا كأبناء أن نطلب من أبينا ونأخذ، إذ يقول: "فمن منكم وهو أب يسأله ابنه خبزًا، أفيعطيه حجرًا؟ أو سمكة، أفيعطيه حيَّة بدل السمكة؟ أو إذ سأله بيضة، أفيعطيه عقربًا؟ فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيِّدة، فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه؟" ويلاحظ في هذا الحديث الآتي: أ. كما سألنا أن نسأل ونطلب ونقرع أي ثلاث مرَّات، هكذا قدَّم لنا ثلاثة أمثلة في الطلب: نسأل خبزًا أو سمكة أو بيضة... والعجيب أنها ثلاثة أنواع من الطعام، وكأن سؤالنا من الرب إنما هو أن يشبعنا روحيًا ونفسانيًا وجسديًا. ب. يرى القدِّيس أغسطينوس أن الخبز هو المحبَّة، والسمكة هي الإيمان، والبيضة هي الرجاء، فإننا نطلب من أبينا السماوي أن نحب ونؤمن ونترجَّى. إنه يقول: [يعني بالخبز المحبَّة، إذ هي أعظم ما نرغبه، وهي ضروريَّة، بدونها يُحسب كل شيء آخر كلا شيء، كمائدة بلا خبز. أما عكس المحبَّة فهي قسوة القلب تُقارن بالحجر. أما بالنسبة للسمكة فهي تشير إلى الإيمان بالأمور غير المنظورة، هذه التي ننالها خلال مياه المعموديَّة دون أن تراها عين. ومن جانب آخر فإن الإيمان كالسمكة، يُهاجَم بأمواج العالم ولا يهلك، أما ضدَّها فهي الحيَّة بسبب سُم الخداع حيث بإغرائها الشرِّير ألقت بذارها في الإنسان الأول. أما البيضة فيُفهم بها الرجاء، لأن البيضة وهي الأصغر لم يتشكَّل فيها (الطائر) بعد لكننا نترجَّى ذلك. ضد البيضة العقرب التي بلدغتها السامة ترد الإنسان إلى خلف مرتعبًا، عكس الرجاء الذي يطلقنا إلى قدَّام فوق الأمور التي أمامنا.] بمعنى آخر الخبز يشير إلى المحبَّة، يقابله الحجر يشير إلى قسوة القلب، والسمكة تشير إلى الإيمان تقابلها الحيَّة تشير إلى جحد الإيمان حيث خدعت الحيَّة حواء بمكرها وأفسدت ذهنها عن النقاوة (2 كو 11: 2-3)، والبيضة تشير إلى الرجاء حيث يخرج ممَّا يبدو جسمًا جامدًا طائرًا فيه حياة ويقابلها العقرب التي تحطَّم حياة الإنسان. يريد الله أن يشبعنا فنطلبه، هو يملاْ حياتنا حبًا وإيمانًا ورجاءً، فتشبع أعماقنا، ولا يعوزها شيء، أما عدو الخير فهو المقاوِم الذي يريد أن يقدِّم حجرًا عوض الخبز، إذ قال للسيِّد المسيح: "قل للحجارة أن تصير خبزًا"، إذ اِعتاد أن يهبها قسوة القلب طعامًا عوض خبز الحياة، وهو الذي بعث بالحيَّة عوض السمكة، وتُشبَّه أعماله بالعقرب... لنطلب الله نفسه يملأ حياتنا ويهبنا من عنده، لذا يقول القدِّيس أغسطينوس: [أيها الإنسان الطمَّاع، ماذا تطلب؟ إن كنت تطلب شيئًا آخر، ماذا يشبعك إن كان الله نفسه لا يشبعك؟] كما يقول: [لتعطِ نفسك طعامها فلا تهلك من المجاعة. أعطها خبزها. تقول: وما هو هذا الخبز؟ لقد تحدَّث الرب معك، فإن أردت أن تسمع وتفهم وتؤمن به، فهو يود أن يقول لك بنفسه: "أنا هو الخبز الحيّ النازل من السماء" (يو 6: 41).] يُعلِّق القدِّيس كيرلس الكبير على طلب الخبز من الآب، قائلاً: [إن سألك ابنك خبزًا تعطه إيّاه بسرور، لأنه يطلب طعامًا صالحًا، لكن إن طلب عن عدم معرفة حجرًا يأكله، فلا تعطيه بل تمنعه من تحقيق رغبته الضارة. هذا هو المعنى.] ويرى العلامة أوريجينوس في السمكة التي نطلبها حب التعلُّم. كما يُعلِّق القدِّيس أغسطينوس على البيضة بكونها رمزًا للرجاء، قائلاً: [لنضع بيضتنا تحت أجنحة دجاجة الإنجيل التي تصيح من أجل المدينة الباطلة الخرِبة، قائلة: "يا أورشليم يا أورشليم... كم مرَّة أردتُ أن أجمع بنيكِ كما تجمع الدجاجة فراخها ولم تريدي" (راجع مت 23: 37).] كما يقول: [إننا نلاحظ كيف تمزِّق الدجاجة العقرب قطعًا، هكذا تمزِّق دجاجة الإنجيل المجدِّفين وتحطِّمهم، هؤلاء الذين يتسلَّلون من جحورهم ويلدغون بنيها بلدغات مؤذية.] أخيرًا يؤكِّد الرب شهوة قلبه نحونا بقوله: "فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه؟" إن كان آباؤنا الأرضيُّون يهتمُّون أن يقدِّموا خبزًا وسمكة وبيضة لكي نقدر أن يعيش على الأرض، فإن الآب الذي من السماء يعطيٍ الروح القدس الذي وحده روح الشركة، يثبِّتنا في الابن الوحيد الجنس منطلقًا بنا بالروح القدس إلى حضن الآب السماوي... عمله أن يهبنا "الحياة الجديدة" الحاملة للسِمة السماويَّة. لكي نعود إلى الحضن الأبوي من جديد. يقول القدِّيس إكليمنضس السكندري: [إن كنَّا ونحن أشرار نعرف أن نعطي عطايا صالحة فكم بالحري طبيعة أب المراحم، أب كل تعزية، الصالح، يترفَّق بالأكثر وبرحمة واسعة يطيل أناته منتظرًا الراجعين إليه؟ الرجوع إليه في الحقيقة هو التوقُّف عن الخطايا وعدم النظر إلى الوراء مرَّة أخرى.] + + +
اليوم السادس [ السبت ] من الأسبوع الأول من الصوم الكبير
ارتباط القراءات السلوك بالكمال تدور فصول هذا اليوم جميعها حول موضوع واحد هو " السلوك بالكمال " ، فإنجيل باكر يتكلم عن بعض وصايا المخلص للمؤمنين فى هذا الصدد ، وإنجيل القداس عن حثهم على الأقتداء به فى كماله . وتحثهم رسالة البولس على وجوب الأهتمام بفعل الخير ، والكاثوليكون على الصبر فى التجارب ، أما الأبركسيس فيتكلم عن تعرضهم للمحاكمات بسبب مناداتهم بالكلمة كما تعرض بولس لذلك من اليهود . مزمور باكر 119 : 57 ، 58المزمور المئة والتاسع عشر الإشادة بالشريعة مضمون هذا المزمور : + إن هذا المزمور ينقسم إلى مئة وستة وسبعون عددا ، كل ثمانية أعداد تنسب إلى حرف من أحرف الهجاء فى اللغة العبرانية [ أى أبجد هوز .....الخ ] . التى عددها أثنان وعشرون حرفا وسبب ذلك أن أحرف الهجاء فى كل لغة هى إبتداء تعليم القراءة وهذا المزمور أيضا يتضمن ابتداء التعليم الذى يفيد ما يأتى من مناقب وتقويمات رجال الله وابراره الذين أستناروا منها . قيل عن هذا المزمور :
هذا المزمورهو " اطول اصحاح " فى الكتاب المقدس ..
ويقسم داود النبى البشرية فى هذا المزمور الى صنفين :-
1 - الآتقياء : وهم الذين يرتبطون بكلمة الله لكى
يصلوا الى ادراك ارادة الله ويتمموها ..
وهذا المزمور هو انشودة تتمتع فيها النفس بكلمة
الله .. ولذلك يحتل مركز الصدارة فى صلاة نصف الليل
،
فى وقت انتظار العريس السماوى
..
وكأن الكنيسة بعد اجهاد طول النهار وتعب الليل ، تتعزى به حتى
يأتى العريس
ويأخذها الى شركة مجده ...
أولا : مدرسة صلاة
حيث يكشف عن حياة الصلاة من خلال واقع حى عاشه المرتل ...
وطول النهار " 97 " ... سبع مرات فى النهار " 164 " ... وفى الليل " 55 " ...
ويناجى الثالوث القدوس : الاب " 73 , 90 " ..
ثانيا : وبأنه مزمور تعليمى
[ ح : 57 – 64 ] 57 نصيبي الرب قلت لحفظ كلامك. + ( نصيب الرب ) هو ملكوت السموات لأنه سوف يقسمها للشعوب فى يوم الدينونة ويقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره ويدخل الخراف إلى الملكوت والجداء يرسلهم إلى النار الأبدية . فقد اتضح أن قسمة الرب ونصيبه هم الخراف ، لأجل ذلك كل من يفكر بقسمته يحفظ وصاياه . 58 ترضيت وجهك بكل قلبي.ارحمني حسب قولك. + وجه الله هو إبنه . كقول الرسول هو بهاء مجده وصورة جوهره ( عب 1 : 2 ) ونحن المسيحيين نتوسل إلى الله بكل قلوبنا وبطهارة لأن أنقياء القلب يعاينون الله ويلتمسون منه الرحمة ( حسب قوله ) أى حسب وعده . 59 تفكرت في طرقي ورددت قدمي الى شهاداتك. + أعنى أنى دائما أتفكر بأعمالك يارب وأرتب سيرتى حسب وصاياك المشهود بحقيقتها وصدقها للذين يتفكرون بها . 60 اسرعت ولم اتوان لحفظ وصاياك. + إنى لم أحفظ وصاياك برخاوة لأنه مكتوب " ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة " ( إر 48 : 10 ) ولكن أنا من شدة حبى لك أسرعت ولم أتوان لحفظ وصاياك . 61 حبال الاشرار التفت عليّ.اما شريعتك فلم انسها. + إن حبال الأشرار هى اضطهاداتهم واغتيالاتهم للصديقين . وأيضا الأفكار الشريرة التى تربط الشياطين بها أنفس البشر . فإن كانت الضيقات كثيرا ما تجعل الإنسان ينسى أقوالك وشريعتك ويشك فى وعودك لضعفه أما أنا يا الله فأثق فى شريعتك وأؤمن بكل ما تكلمت به فمن أجل ذلك لن أتخلى عنها ولن أنساها قط مهما أشتدت الضيقات ولو حتى التفت بى من كل جهة كما يلتف الحبل . فأنا منتظرك ومتعلق بشريعتك . 62 في منتصف الليل اقوم لاحمدك على احكام برك. + على هذا فإننا نحن المسيحيين نتلوا صلاة نصف الليل لأن الختن ( العريس ) المذكور فى الإنجيل قد جاء للعذارى فى نصف الليل وأدخلهن إلى الخدر السمائى . وأما معنى القول أن هذا العمر هو مثل الليل المظلم والرب يأتينا فى وقت وفى ساعة لا نعرفها ، فسبيلنا إذا أن نكون مستيقظين ومنتظرين حضوره بمصابيح الطهارة والرحمة ولا نغفل لئلا نلبث خارج ملكوت الله . لأجل هذا أيضا بولس وسيلا الرسولان كانا يصليان نصف الليل وهما فى السجن . 63 رفيق انا لكل الذين يتقونك ولحافظي وصاياك. + إن النبى لأجل تواضعه لم يقل أنه من جملة أتقياء الله وحافظى وصاياه ، بل قال أنه شريكههم ورفيقهم !! 64 رحمتك يا رب قد ملأت الارض.علّمني فرائضك + إن قوله ( رحمتك يارب قد ملأت الأرض ) لأنه يشرق شمسه على الصديقين والخطاة ويمطر على الأبرار والأشرار . + أى مكان يذهب إليه الإنسان يجد هناك فضائل سيده ورحمته . + + + الكاثوليكون ... يع 1 : 1 – 12 الإيمان والتجاربيتحدث الرسول في هذا الأصحاح عن الإيمان والتجارب:
1. المقدمة (التحية) "يعقوب عبد الله والرب يسوع المسيح، يهدي السلام إلى الإثنى عشر سبطا الذين في الشتات" [ 1 ] لم يذكر الرسول نَسَبُه حسب الجسد للرب يسوع بل يدعو نفسه "عبدًا". والعبد كما نعرف لم يكن له حق أو سلطان حتى على جسده أو إرادته أو زوجته أو أولاده... بل للسيد أن يتصرف كيفما يشاء. هكذا يحب يعقوب الرب إلى درجة العبوديّة، يفرح جدًا أن يترك للمحبوب أن يفعل به ما يريد. هذه عبوديّة، لكنها لا عن قسر وإكراه بل في حب ورضا. هذه أحاسيس الذين عشقوا الثالوث القدوس، فإذ يرون الآب يفتح لهم أحضانه كبنين، والابن يقبلهم كعروس، والروح القدس هيكلاً له، يرتمون في حضن الثالوث القدوس في تسليم كامل كعبيد، فيقول كل واحد منهم مع الرسول أنه "عبد الله والرب يسوع المسيح". هذا القول يكشف عن عظمة حب الرسول واعتزازه بالتعبد لله في تواضع حقيقي. 2. التجارب الخارجية"احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة" [ 2 ] لم يقل الرسول "يا أولادي" مثل يوحنا الحبيب بل "يا إخوتي". والسبب في هذا أنه يتحدث عن التجارب والآلام، فيريد أن يبث فيهم روح الشجاعة كإخوة، وأنهم ليسوا أطفالاً وأبناء. وقوله "يا إخوتي" يُذكِّرهم برباطهم معًا في أخوة روحيّة خلال الميلاد الجديد كأبناء لله، مما يجعلهم يتقبلون الآلام بغير تذمر، وفي تسليم وفي فرح، بل في "كل فرح". وربما قصد بكلمة "كل" هنا أنها النهاية القصوى للفرح، أو عدم تقبُّل شيء غير الفرح، أو كل صنوف الفرح، إذ تحل بهم صنوف متنوعة من التجارب. وكأنه يقول لهم: حينما تحل بكم لا تجربة ولا إاثنتين بل تجارب متنوعة، يليق بكم لا أن تفرحوا بل تفرحوا كل الفرح. وكلمة "تقعون" في اليونانيّة لا تعني السقوط أو الدخول في تجارب، إنما تعني حلول التجارب واحاطتها بالإنسان من الخارج، كما تحمل معنى المفاجأة في الحلول وعدم توقعها. بهذا فإن الرسول لا يتكلم عن التجارب التي تنبع من داخل النفس، بل التي تحل بنا من الخارج. فخلال هذا النسب الجديد نتقبل هذه التجارب المتنوعة بكل فرح قائلين: "كحزانى ونحن دائمًا فرحون" (٢ كو 6: 9). لأن هذه الآلام ليست بسبب الخطيّة، بل هي سمة الرب المتألم "مكملين نقائص شدائد المسيح في أجسادنا" (كو 1: ٢٤). وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: ["لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا" (٢ كو 1: 5)... إنه يسمو بنفوسنا حاسبًا هذه الآلام خاصة به، فأي فرح يشملنا أن نكون شركاء المسيح، من أجله نتألم! بالإيمان ندرك الميلاد الجديد والقيامة. فالذين يؤمنون بيسوع المُقام حقًا، يلزمهم أن يقدموا أنفسهم للآلام. والذين لهم شركة في آلامه، يقومون معه أيضًا. "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهًا بموته لعلي أبلغ إلى قيامة الأموات" (في ٣: 10).] ويكتب البابا أثناسيوس الرسولي إلى شعبه الذي تحل به التجارب على أيدي الأريوسيين قائلاً: [لنفرح عالمين أن خلاصنا يحدث في وقت الألم. لأن مخلصنا لم يخلصنا بغير ألم، بل تألم من أجلنا مبطلاً الموت، لهذا أخبرنا قائلاً: "في العالم سيكون لكم ضيق" (يو ١٦: ٣٣). وهو لم يقل هذا لكل إنسان بل للذين يخدمونه خدمة صالحة بجهادٍ وإيمانٍ، أي أن الذين يعيشون بالتقوى من جهته يُضطهدون.] "عالمين أن امتحان إيمانكم ينشىء صبرًا" [ 3 ] سر الفرح أن التجارب مهما اشتدت هي بالنسبة للمؤمن الحقيقي امتحان. هذا الامتحان يُعين الإنسان أن يكون له صبر، إذ يتشبه بالرب يسوع. ويلاحظ أن الصبر هنا لا يحمل المعنى السلبي الذي فيه يستسلم الإنسان بخنوعٍ أو يخضع للألم بشجاعة بشريّة وكبت على حساب أعصابه، فإن هذا حتمًا يدفع إلى الانفجار. وإنما الصبر هنا يعني الجانب الإيجابي، وهو الصبر المملوء حبًا،حيث يرمي الإنسان بآلامه على الرب المتألم بفرح في حب ورضا، بل يسعى هو بنفسه للألم لأن خلاله يتمثَّل بالرب المتألم. "وأما الصبر فله عمل تام". التجربة في ذاتها مرّة، لكن الصبر الذي تنشئه له غاية كاملة وهي: "لكي تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين في شيء" [ 4 ] 1. نكون تامين أي ناضجين روحيًا، فكما أنه لا يكفي لزراعة شجرة أن نلقي البذرة ونرويها ونعتني بها، لكن مع اهتمامنا بها يلزم أن نصونها من الرياح في بدايتها، ثم نعرضها لها قليلاً قليلاً حتى تنضج، هكذا لا يكفي أننا نؤمن بالمصلوب، وإنما يلزمنا بعد ولادتنا بالمعموديّة أن نشترك مع الرب في آلامه حتى ينمو فينا الإنسان الجديد، وينضج يومًا فيومًا في رجولة روحيّة. ويُشبِّهنا القديس يوحنا ذهبي الفم بالطفل الذي يتعلم المشي. فإن المُربية تمد يديها وتمسك بيديه، وتسير به قليلاً قليلاً، وفي خلال سيره تترك يديه إلى حين. قد يبكي، وقد يسقط، لكن قلبها وعينيها وكل أحاسيسها معه! هكذا يمسك الله بيدينا ويترفق بنا، لكن لابد أن يسحب يده قليلاً دون أن يتخلى عنا. يسمح لنا بالتجارب لكي نتدرب في طريق النضوج الروحي. لذلك كتب العلامة ترتليان إلى المتألمين المسجونين بسبب الإيمان يقول لهم: ]أيها الطوباويون، احسبوا كل ما يصيبكم تداريب للتقوية، حتى تنالوا إكليلاً أبديًا ملائكيًا، فتصيروا سكانًا للسماء، ممجدين إلى الأبد... إن سيدكم يسوع المسيح الذي مسحكم بروحه وقادكم إلى حلبة المصارعة (للتدريب) يرى أن هذا مفيد لكم... فيُلزمكم بتداريب قاسية لتنمو روحيًا... فالفضيلة تُبنَي فينا بالجهاد وتزول وتتحطم بالانزلاق في الشهوات.] 2. كاملين وغير ناقصين في شيء... أي ليس فقط تامين، ولكن هذا النضوج يشمل كل جوانب الحياة الروحيّة. حقًا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا (يع ٣: ٢)، لكننا كأولاد لله قدر ما نخضع لمدربنا الرب يسوع، مجاهدين نسمع كلمات الرسول: "بعدما تألمتم يسيرًا هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويُمَكِّنكم" (١ بط ٥: ١٠). كيف نحتمل التجربة؟أولاً: باقتناء الحكمة السماوية"إن كان أحد تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير، فسيُعطَى له" [ 5 ] بالحكمة السماوية يقف الإنسان على إرادة الله ويدرك مواعيده للصابرين إلى المنتهى، فيفرح بالتجارب كمن وجد غنيمة. لهذا لا نكف عن طلبها قائلين: "هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك. فإني أنا عبدك وابن أمتك، إنسان ضعيف، قليل البقاء وناقص الفهم" (حك ٩: ٥٦). وإنه "يعطي الجميع" أي يهب كل من يطلب، لأنه لا يحابي أحدًا، وهو يعطي بسخاء، أي بفيض، مجانًا بلا قيد ولا شرط. يقدّم ولا يعيّر، لأنه أب، والأب يفرح بعطائه لابنه كل شيء. لكن لماذا لا ننال أحيانًا؟ ليس السبب في الله، بل فينا نحن الذين توقّف فيض عطاياه علينا بسبب عدم إيماننا، لذلك يقول الرسول: "ولكن ليطلب بإيمان". وكما يقول الأب إسحق: [هكذا تستجاب صلاة الإنسان عندما يؤمن أن الله مهتم به وقادر أن يعطيه سؤاله، إذ لا يخيب قول الرب: "كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم" (مر ١١: ٢٤).] ليطلب الحكمة "غير مرتاب البتة"، أي من غير أن ينقسم قلبه بين التجائه إلى الله واهب الحكمة واعتماده على حكمته الذاتيّة، أو بين محبة الله ومحبة الأمور الزمنيّة. "لأن المرتاب يشبه موجًا من البحر تخبطه الريح وتدفعه" ]٦[ فيكون كالموجة التي تدفعها الريح على الصخر فتصير رذاذًا. "فلا يظن ذلك الإنسان أنه ينال شيئًا من عند الرب. رجل ذو رأيين متقلقل في جميع طرقه" [ 7 – 8 ] وكما يقول القديس يوحنا كاسيان: [قد تأكد تمامًا أن صلاته لن تُستجاب! من هو هذا البائس؟ الذي يصلي ولا يؤمن أنه سيحصل على جواب!] ثانيًا: باقتناء التواضع تنزع الحكمة السماوية عن الإنسان ذاتيته، فيختبر التواضع الحقيقي. إذ ينحني منسحقًا يلتصق بصليب الرب، فيرتفع مبتهجًا غالبًا بقوة القيامة. لذلك يقول الرسول: "وليفتخر الأخ المتضع بارتفاعه" [ 9 ] "وأما الغني فباتضاعه". يوجه حديثه هنا للغني، دون أن يقول "الأخ" حتى لا يظنوا أنه يداهنهم بسبب غناهم. إنه يجدر به ألاَّ يفتخر بغناه بل بتواضعه. بهذا يقدر أن يحتمل التجربة! ثالثًا: إدراك زوال العالمإذ يدرك المؤمن حقيقة غربته على الأرض يرتفع نظره إلى حياة أفضل، محتملاً كل ألمٍ وتجربةٍ بغير تذمر، إذ كل ما في هذا العالم يزول. "لأنه كزهر العشب يزول. لأن الشمس أشرقت بالحر، فيبَّسَتْ العشب، فسقط زهره، وفني جمال منظره. هكذا يذبل الغني في طرقه" [ 10 – 11 ] تأثر الرسول بالمنظر الساحر الذي في تلك البقاع حيث تغطي أزهار شقائق النعمان منحدرات التلال في الصباح، لكن ما أن تظهر الشمس وتهب الرياح الحارة حتى تجف وتُجمع للوقود. وقد استخدم إشعياء نفس التشبيه (٤٠: ٦٧)، وكذلك أيوب (١٤: ٢). إن الشمس التي تهب حياة للزرع تُفني جمال زهر العشب، هكذا شمس التجارب التي تُزيد المؤمن بريقًا، تُهلك المتكلين على غناهم فيذبلون في طرقهم. إذًا ليرفع الأغنياء أنظارهم إلى السماويات، بدلاً من أن ينشغلوا بجمال زهر عشب الغِنَى الذي سرعان ما يذبل، وبهذا تتحول تجاربهم إلى موضوع كل فرح. "طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه" [ 12 ] وإذ يرتفع نظرنا إلى السماويات، تاركين الغِنَى الزمني، نشتهي الدخول في مدرسة التجارب العمليّة. وإذ نتخرج فيها نعلن حبنا لله فننال "إكليل الحياة" الذي هو نصيب المحبين. إنها تُخرِّج رجالاً في الروحانيّة، لذا يقول الرسول "طوبى للرجل..." لذلك تاق الآباء إليها: فيقول الأب تادرس: [يا لنفع التجارب والآلام التي يحسبها البعض شريرة، فلا يحاول القديسون تجنُّبها بل بالحق يطلبونها بكل قوتهم، محتملين إياها بشجاعة، وبهذا يصيرون أحباء لله، ويحصلون على إكليل الحياة الأبديّة... ويتغني الرسول الطوباوي قائلاً: "أُسر بالضعفات والشتائم والضرورات والضيقات لأجل المسيح. لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (٢ كو ١٢: ١٠).] ويقول القديس أغسطينوس [إن كنتَ ذهبًا، فلماذا تخاف النار، فإنه في الكور يحترق الزغل وتخرج أنت نقيًا؟ وإن كنت حنطة، فلماذا تهاب الدراس، مع أنك لا تظهر على ما أنت عليه إلاَّ به حيث يُنتزع عنك "التبن" ويظهر أصلك وشرفك؟] + + + مزور إنجيل القداس : انصت يارب لكلماتى وافهم صراخى . اصغ إلى صوت طلبتى يا ملكى وإلهى : هلليلويا
إنجيل القداس : متى 5 : 38 – 48
38 سمعتم
انه قيل عين بعين و سن بسن
مقاومة الشرّ بالخير"سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن، وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشرّ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضًا" [38-39]. في القديم منع الله شعبه من مقاومة الشرّ بشرٍ أعظم سامحًا لهم بذلك من أجل قسوة قلوبهم، أمّا وقد دخلنا العهد الجديد فقد ارتفع بنا إلى مقابلة الشرّ لا بشر مماثل أو أقل أو حتى بالصمت وإنما نقابله بالخير مرتقبًا بنا إلى أعلى درجات الكمال. يرى القدّيس أغسطينوس أن السيّد المسيح قد دخل بنا إلى درجة الكمال المسيحي كأعلى درجات الحب التي تربط الإنسان بأخيه . يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على مقاومة الشرّ بالخير، قائلاً: [لا تُطفأ النار بنارٍ أخرى، وإنما بالماء... ليس ما يصد صانعي الشرّ عن شرّهم مثل مقابلة المضرور ما يصيبه من ضرر برقّة. فإن هذا التصرّف ليس فقط يمنعهم عن الاندفاع أكثر، وإنما يعمل فيهم بالتوبة عما سبق أن ارتكبوه، فإنهم إذ يندهشون بهذا الاحتمال يرتدّون عما هم فيه. هذا يجعلهم يرتبطون بك بالأكثر، فلا يصيروا أصدقاءً لك فحسب، بل وعبيدًا عِوض كونهم مبغضين وأعداء.] ماذا يقصد بالخد الأيمن والآخر؟قدّم لنا السيّد أمثلة لمقابلة الشرّ بالخير في مقدّمتها إنه إذا لطمنا شخص على خدّنا الأيمن نحوّل له الآخر أيضًا. ولقد أوضح الآباء أن السيّد في تقديمه الوصيّة لم يقصد مفهومها بطريقة حرفيّة، لأن الإنسان لا يُلطم على خدّه الأيمن بل الأيسر اللهم إلا إذ كان الضارب أشولاً. إنّما الخدّ الأيمن يُشير إلى الكرامة الروحيّة أو المجد الروحي، فإن كان إنسان يسيء إلينا ليحطّم كرامتنا الروحيّة فبالحب نقدّم له الخد الأيسر أيضًا، أي الكرامة والأمجاد الزمنيّة والماديّة. ويحذّرنا الأب يوسف من تنفيذ الوصيّة حرفيًا بينما لا يحمل القلب حبًا حقيقيًا نحو الضارب، خاصة وأن البعض يعملون على إثارة الآخرين ليضربوهم، الأمر الذي يسيء إلى الوصيّة الإلهيّة. ويختم حديثه بقوله: [إن كان خدّك الأيمن الخارجي يستقبل لطمة من الضارب فليقبل الإنسان الداخلي بتواضع أن يتقبّل الضربة على خدّه الأيمن. بهذا يحتمل الإنسان الخارجي بلطف، ويخضع الجسد لمضايقات الضارب فلا يضرب الإنسان الداخلي.] + كثيرون تعلّموا كيف يقدّمون الخدّ الآخر، ولكنهم لم يتعلّموا كيف يحبّون ضاربهم. المسيح رب المجد، واضع الوصيّة ومنفّذها الأول، عندما لُطم على خدّه بواسطة عبد رئيس الكهنة ردّ قائلاً: "إن كنت قد تكلَّمت رديًا فاشهد على الردي، وإن حسنًا فلماذا تضربني؟!" (يو 18: 23). فهو لم يقدّم الخدّ الآخر، ومع ذلك فقد كان قلبه مستعدًا لخلاص الجميع لا بضرب خده الآخر فقط من ذلك العبد، بل وصلب جسده كله. القدّيس أغسطينوسالميل الثاني"ومن سخرك ميلاً واحدًا فاذهب معه اثنين، ومن سألك فاعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تردّه" [41-42]. تظهر أهمّية هذه الوصيّة من دعوة المسيحيّة بديانة الميل الثاني، حيث يقدّم المؤمن للآخرين أكثر ممّا يطلبون، لكي يربح نفسه ويربحهم بحبّه. سير الميل الثاني علامة قوّة الروح وانفتاح القلب بالحب، فلا يعمل الإنسان ما يطلب منه عن مضض، وإنما يقدّم أكثر ممّا يطلب منه. كان اليهودي - تحت الحكم الروماني - مهدّدًا في أية لحظة أن يسخره جندي روماني ليذهب حاملاً رسالة معيّنة على مسافة بعيدة أو يقوم بعمل معين، وذلك كما فعل الجند حي سخروا سمعان القيرواني لحمل الصليب. فإن كان تحت العبوديّة القاسية يتقبّل الإنسان الميل المطلوب سيره، فإنه تحت نعمة الحرّية الكاملة يقدّم بكل سرور الميل الثاني دون أن يُطلب منه، إنّما هو علامة حرّيته. + بالتأكيد إن الرب لا يقصد كثيرًا تنفيذ هذه الوصيّة بالسير على الأقدام، بقدر ما يعني إعداد الذهن لتنفيذ الوصيّة. القدّيس أغسطينوسكشف السيّد مفهوم العطاء بقوله "من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تردّه" ولعلّه أراد بذلك أن تكون لنا طبيعة العطاء السخيّة، فإن البعض في عزّة نفس لا يقدر أن يستعطي فيطلب قرضًا، فلا تطلب ردّه منعًا من إحراجه... محبّة الأعداء"سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوّك، وأما أنا فأقول لكم أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات..." [43-45]. لم تأمر الشريعة ببغض العدوّ كوصيّة يلتزم بها المؤمن، في كسرها كسر للناموس وإنما كان ذلك سماحًا أُعطى لهم من أجل قسوة قلوبهم. لقد ألزمت بحب القريب وسمحت بمقابلة العداوة بعداوة مساوية، لكي تمهد لطريقٍ أكمل، أن يحب الإنسان قريبه على مستوى عام، أي كل بشر. يظهر ذلك بوضوح من الشريعة نفسها التي قدّمت نصيبًا من محبّة الأعداء ولو بنصيب قليل، فقيل: "إذا رأيت حمار مبغضك واقعًا تحت حمله وعدلت عن حلّه فلابد أن تحلّ معه" (خر 23: 5). وقيل أيضًا: "لا تكره أدوميًا لأنه أخوك، ولا تكره مصريًا لأنك كنت نزيلاً في أرضه" (تث 23: 7)، مع أن الأدوميّين والمصريّين كان من ألد أعدائهم. هذا من جانب ومن جانب آخر كان الشعب في بداية علاقته بالله غير قادر على التمييز بين الخاطي والخطيّة، لذا سمح الله لهم بقتل الأمم المحيطين بهم رمزًا لقتل الخطيّة، خاصة وأن اليهود كانوا سريعًا ما يسقطون في عبادة آلهة الأمم المحيطين بهم. لقد طالب السيّد المسيح المؤمنين أن يصعدوا بروحه القدّوس على سلّم الحب فيحبّون حتى الأعداء، ويحسنون إلى المبغضين لهم، ويصلّون لأجل المسيئين إليهم. وبهذا يحملون مثال أبيهم السماوي وشبهه. ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد المسيح قد جاء ليرفعنا إلى كمال الحب، الذي في نظره يبلغ الدرجة التاسعة، مقدّمًا لنا هذه الدرجات هكذا: الدرجة الأولى: ألا يبدأ الإنسان بظلم أخيه. الدرجة الثانية: إذا أصيب الإنسان بظلم فلا يثأر لنفسه بظلم أشد، وإنما يكتفي بمقابلة العين بالعين والسن بالسن (المستوى الناموسي الموسوي). الدرجة الثالثة: ألا يقابل الإنسان من يسيء إليه بشر يماثله، إنّما يقابله بروح هادئ. الدرجة الرابعة: يتخلّى الإنسان عن ذاته، فيكون مستعدًا لاحتمال الألم الذي أصابه ظلمًا وعدوانًا. الدرجة الخامسة: في هذه المرحلة ليس فقط يحتمل الألم، وإنما يكون مستعدًا في الداخل أن يقبل الآلام أكثر مما يودّ الظالم أن يفعل به، فإن اغتصب ثوبه يترك له الرداء، وإن سخّره ميلاً يسير معه ميلين. الدرجة السادسة: أنه يحتمل الظلم الأكثر ممّا يودّه الظالم دون أن يحمل في داخله كراهيّة نحو العالم. الدرجة السابعة: لا يقف الأمر عند عدم الكراهيّة وإنما يمتد إلى الحب... "أحبّوا أعداءكم". الدرجة الثامنة: يتحوّل الحب للأعداء إلى عمل، وذلك بصنع الخير "أحسنوا إلى مبغضيكم"، فنقابل الشرّ بعمل خير. الدرجة التاسعة والأخيرة: يصلّي المؤمن من أجل المسيئين إليه وطارديه. هكذا إذ يبلغ الإنسان إلى هذه الدرجة، ليس فقط يكون مستعدًا لقبول آلام أكثر وتعييرات وإنما يقدّم عوضها حبًا عمليًا ويقف كأب مترفّق بكل البشريّة، يصلّي عن الجميع طالبًا الصفح عن أعدائه والمسيئين إليه وطارديه، يكون متشبِّهًا بالله نفسه أب البشريّة كلها. يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن غاية مجيء السيّد إلينا إنّما هو الارتفاع بنا إلى هذا السموّ إذ يقول: [جاء المسيح بهذا الهدف، أن يغرس هذه الأمور في ذهننا حتى يجعلنا نافعين لأعدائنا كما لأصدقائنا.] ليس شيء يفرح قلب الله مثل أن يرى الإنسان المطرود من أخيه يفتح قلبه ليضمّه بالحب فيه، باسطًا يديه ليصلّي من أجله! يرى الله فيه صورته ومثاله! لهذا يختم السيّد الوصيّة بقوله "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين" [45]. إن كنّا في مياه المعموديّة ننال روح التبنّي، ننعم بالسلطان أن نصير أولاد الله (يو 1: 12)، فإنّنا بأعمال الحب التي هي ثمرة روحه القدّوس فينا نمارس بنوتنا له، وننمو فيها ونزكِّيها. أبوّته لنا تدفعنا للحب، والحب يزكِّي بنوتنا له، يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هذا هو السبب الذي لأجله ندعوه في الصلاة أبًا، لا لنتذكّر نعمته فحسب، وإنما من أجل الفضيلة فلا نفعل شيئًا غير لائق بعلاقة كهذه.] فيما يلي بعض مقتطفات للآباء عن محبّة الأعداء: + لو لم يكن شريرًا ما كان قد صار لكم عدوًا. إذن اشتهوا له الخير فينتهي شرّه، ولا يعود بعد عدوًا لكم. إنه عدوّكم لا بسبب طبيعته البشريّة وإنما بسبب خطيّته! + كان شاول عدوًا للكنيسة، ومن أجله كانت تُقام صلوات فصار صديقًا لها. إنه لم يكف عن اضطهادها فحسب، بل وصار يجاهد لمساعدتها. كانت تُقام صلوات ضدّه، لكنها ليست ضدّ طبيعته بل ضدّ افتراءاته. لتكن صلواتكم ضدّ افتراءات أعدائكم حتى تموت، أما هم فيحيون. لأنه إن مات عدوّكم تفقدونه كعدوّ ولكنكم تخسرونه كصديق أيضًا. وأما إذا ماتت افتراءاته فإنكم تفقدونه كعدوّ وفي نفس الوقت تكسبونه كصديق. + عندما تعانون من قسوة عدوّكم تذكّروا قول الرب: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 23: 34) . القدّيس أغسطينوس+ لا تفيدنا الصلاة من أجل الأصدقاء بقدر ما تنفعنا لأجل الأعداء!... فإن صليّنا من أجل الأصدقاء لا نكون أفضل من العشّارين، أمّا إن أحببنا أعداءنا وصليّنا من أجلهم فنكون قد شابهنا الله في محبّته للبشر. + يجب أن نتجنّب العداوة مع أي شخص كان، وإن حصلت عداوة مع أحد فلنسالمه في اليوم ذاته... وإن انتقدك الناس (على ذلك) فالله يكافئك. أمّا إن انتظرت مجيء خصمك إليك ليطلب منك السماح فلا فائدة لك من ذلك، لأنه يسلبك جائزتك ويكسب لنفسه البركة. القدّيس يوحنا الذهبي الفم الكمــــال إذ يتحدّث عن درجات الكمال ويبلغ إلى قمّتها، أي حب الجميع حتى الأعداء بلا مقابل، يُعلن السيّد غاية ذلك ألاَ وهو الدخول في الحياة الكاملة والتشبّه بالله نفسه، إذ يقول: "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات. فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين. لأنه إن أحببتم الذين يحبّونكم فأي أجر لكم؟! أليس العشّارون أيضًا يفعلون ذلك؟! وإن سلّمتم على إخوتكم فقط، فأي فضل تصنعون؟ أليس العشّارون أيضًا يفعلون هكذا؟! فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل" [45-48]. إن كانت غاية الله فينا أن يرانا أولاده نحمل صورته فينا وننجذب إليه بالحب لنحيا معه في أحضانه الإلهيّة ننعم بأمجاده، فإن غاية حياتنا الروحيّة ولقائنا معه هو أن ننعم بأبوّته لنا ونتأهل لنصير على مثاله فنحسب كاملين كما هو كامل! + إنه يقول: الذين تشكّلت أساليب فكرهم فصارت مترفّقة ومملوءة حبًا نحو إخوتهم على مثال صلاح أبيهم، هم أبناء له! القدّيس غريغوريوس النيسي+ إذ لا يمكننا أن نصير كالله في الجوهر، لكنّه بالتقدّم في الفضيلة نتشبّه بالله، حيث يمنحنا الرب هذه النعمة! البابا أثناسيوس الرسولي+ للمسيح إخوة مشابهون له، يحملون صورة طبيعته الإلهيّة خلال طريق التقدّيس، لأنه هكذا يتشكّل المسيح فينا... الذين يصيرون شركاء الطبيعة الإلهيّة خلال شركة الروح القدس، يحملون ختم شبه المسيح الفائق ويشِع في نفوس القدّيسين الجمال الذي لا يُعبّر عنه. القدّيس كيرلّس الكبير+ + +
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||