الأقتـداء
بالمســـــــيح
الفصل التاسع عشر : في
رياضات الراهب الصالح
الفصل العشرون : في حب العزلة والصمت
الفصل الحادي والعشرون : في
انسحاق القلب
الفصل الثاني والعشرون : في
اعتبار الشقاء البشري
الفصل الثالث والعشرون : في
التأمل في الموت
الفصل الرابع والعشرون : في
الدينونة وعقوبات الخطأة
الفصل الخامس والعشرون : في
النشاط لاصلاح سيرتنا كلها
الفصل الاول
في الاقتداء بالمسيح واحتقار أباطيل العالم كله
1-
(( من
يتبعني – يقول الرب – فلا يمشي في الظلام)). (يوحنا- 12:8) ذاك هو كلام المسيح، يحضنا به على التشبه بسيرته وأخلاقه، إن أردنا
الاستنارة الحقة، والتحرر من كل عمى في القلب. فليكن إذن جل اهتمامنا، التأمل في
حياة يسوع المسيح.
2-
إن تعليم المسيح يفوق تعاليم القديسين
كلها، ومن كان فيه روح المسيح، فإنه يجد
في تعليمه المن المخفي. بيد أن كثيرين، في الواقع قلما يتأثرون بسماعهم المتواتر
للإنجيل، إذ ليس فيهم روح المسيح. فمن أراد أن يتفهم جيدا ويتذوق أقوال المسيح،
فعليه ان يجتهد في التوفيق بين حياته كلها وحياة المسيح .
3-
ماذا يفيدك البحث العميق في الثالوث، إن
خلوت من التواضع، بحيث تصبح غير مرضي لدي الثالوث. حقا ليست الأقوال السامية هي
التي تجعل الأنسان قديساً وصديقاً،
بل السيرة الفاضلة هي التي تجعله عزيزاً على الله.
إني افضل الشعور بإنسحاق القلب ، على
معرفة تحديده. لو عرفت على ظهر قلبك كل
الكتاب المقدس ، واقوال الفلاسفة جميعا، فأي نفع لك في ذلك كله، إن خلوت من محبة
الله ونعمته؟ (( باطل الاباطيل ، وكل شئ
باطل)) ما خلا حب الله والتعبد له وحده. هذه
هي الحكمة السامية: أن يسعى الانسان الى الملكوت السماوي، باحتقاره العالم.
4-
فباطل
إذن طلب الاموال الزائلة، والاتكال عليها. باطل
ايضا الطمع في الكرامات، والتطاول الى المنزلة الرفيعة. باطل اتباع شهوات الجسد،
وابتغاء ما يستوجب لنا اخيرا شديد العقاب. باطل
تمني العمر الطويل، مع قلة الاكتراث لعيشة صالحة، باطل
قصر النظر على الحياة الحاضرة، وعدم التبصر في الامور المستقبلة، باطل حب ما يزول بكل سرعة، وعدم الاسراع الى مقر الفرح الدائم.
5-
ردد
في ذهنك هذا القول: ((العين لا تشبع من النظر، والاذن لا تمتلئ من السماع)) فاجتهد إذن ان تصرف قلبك عن حب المنظورات وتنتقل به الى غير
المنظورات. فإن الذين ينقادون للحواس، يدنسون ضمائرهم ويفقدون
نعمة الله.
بداية الصفحة
في
إستحقار الإنسان نفسه
1-
كل
إنسان ، من طبعه ، يرغب في العلم ولكن ماذا ينفع العلم من غير مخافة الله؟
إن
الأمي الوضيع ، المتعبد لله ، لأفضل ، حقا من الفيلسوف المتكبر ، الذي يرصد دوران الفلك،
وهو
غافل عن نفسه.
من
يحسن معرفة نفسه ، يحتقر ذاته ، ولا يلتذ بمديح الناس.
لو
كنت أعرف كل ما في العالم ، ولم تكن في المحبة ، فماذا يفيدني ذلك أمام الله،
الذي
سوف يدينني على أعمالي؟
2-
كف عن
الرغبة المفرطة في العلم ، فإن فيها كثيرا من التشتت والغرور.
إن
أهل العلم يرومون أن يظهروا وأن يدعوا حكماء.
كثيرة
الأمور التي قلما تفيد النفس معرفتها ، وقد لا تفيدها البتة.
إنه
لعلى جانب عظيم من الحماقة ، من يهتم بغير ما بأول إلى خلاصه.
كثرة
الكلام لا تشبع النفس، بل العيشة الصالحة تثلج القلب ، ونقاوة الضمير تنشئ ثقة بالله
عظيمة.
3-
بمقدار
ما تزداد توسعا وتعمقا في العلم ، تكون دينونتك أشد قسوة، إن لم تزدد سيرتك قداسة.
فلا
يزهونك علم أو فن ، بل خف بالأحرى لما أوتيت من معرفة.
(( لا
تستكبر )) بل بالأحرى أقرر بجهلك.
لم
تريد أن تفضل نفسك على غيرك ، وكثيرون هم أعلم منك، وأفقه في شريعة الله؟
إن
أردت أن تتعلم وتعرف شيئا مفيدا ، فارغب في أن تكون مجهولا ومعدودا كلا شئ.
4-
إن
أسمى الدروس وأجزلها فائدة ، أن يعرف الإنسان نفسه معرفة حقة ، ويزدري ذاته.
إنها
لحكمة سامية، وكمال عظيم ، أن لا يحسب الإنسان نفسه شيئا،
وأن
يحسن الظن دوما بالآخرين ويحل قدرهم.
إن
رأيت أحدا يخطأ جهرا – وإن خطأ جسيما – فلا يحق لك ، مع ذلك ، أن تعد نفسك أفضل
منه،
لأنك
لا تعلم كم تستطيع أن تثبت على الصلاح. كلنا ضعفاء ، أما أنت فلا تحسب أحدا أضعف
منك.
بداية الصفحة
الفصل الثالث
في تعليم الحق
1.
طوبى لمن يعلمه الحق بذاته، لا برموز
والفاظ عابرة بل كما هو في ذاته.
إن رأينا وحكمنا كثيرا ما يخدعاننا ولا يريان الا القليل.
ماذا يفيد الجدال العنيف في امور خفية غامضة، لمن نوبخ في الدينونة على
جهلنا لها؟
إنها لحماقة عظيمة ان نهمل النافع الضروري
ونبالغ في الاقبال على الامور الغريبة المضرة ((لنا عيون ولا تبصر)).
2.
ما
لنا والاهتمام بالاجناس والانواع؟ إن من يكلمه الكلمة الازلي ينجو من تعدد الآراء
.
من الكلمة وحده كل شئ وعنه وحده يتكلم كل
شئ : هو المبدأ ((وهو الذي يكلمنا))
ما من احد بدونه يفهم او يحكم بالصواب.
من كانت عنده كل الأشياء واحدا، ورد كل شيء إلى واحد، ورأى كل شيء في الواحد
يستطيع ان يكون ثابت القلب، وان يستمر في الله بسلام. .
اللهم ايها الحق إجعلني وإياك واحدا في
محبة دائمة.
إني أسأم غالبا لكثرة القراءة والاستماع،
ففيك أنت كل ما أريد واشتهي.
ليصمت جميع المعلمين ولتسكت الخلائق كلها
في حضرتك، وأنت وحدك كلمني.
3.
بمقدار
ما يخلو الإنسان بنفسه ، وتخلص طويته يدرك أمورا أوفر وأسمى، من غير ما عناء، لأنه
من العلاء ينال نور الفهم.
الروح الطاهر الخالص غير المتقلقل ، لا
تشتته كثرة الأعمال ، لأنه يعمل كل شيء لمجد الله، ويجتهد أن يحجم في ذاته ، عن كل
سعي لمنفعة ذاته.
ما الذي يعوقك ويزعجك، أكثر من أميال
قلبك غير المماتة؟
الرجل الصالح العابد يرتب أولا في داخله
ما يجب أن يعمل في الخارج، فلا تجره أعماله إلى شهوات الميل الرديء بل هو يخضعها لحكم
العقل السديد .
أي جهاد أشد من جهاد الإنسان الدائب على
قهر نفسه، فهذا ما يجب أن يكون شغلنا: أن نقهر ذواتنا، وأن نزداد قوة في كل يوم،
ونحرز بعض التقدم في الصلاح.
4.
كل
كمال في هذه الحياة يلازمه شيء من النقص ، وكل معرفة لنا لا تخلو من بعض الغموض.
إن معرفتك لنفسك بالتواضع، لطريق إلى
الله ، آمن من البحث العميق في العلم.
لا ينبغي ذم العلم، ولا أي معرفة بسيطة
للأمور لأن ذلك حسن في ذاته، ومرتب من قبل الله، إنما يجب دائما أن يؤثر الضمير
النقي، والسيرة الفاضلة.
على أن كثيرين، لكونهم يهتمون للعلم،
أكثر من اهتمامهم لسيرة صالحة، يضلون غالبا فلا يكادون يثمرون البتة، أو قلما
يثمرون.
5.
آه!
لو كانوا يبذلون لاستئصال الرذائل وغرس الفضائل، ما يبذلون من النشاط لإثارة
المناقشات ، لما حدثت تلك الشرور والمعاثر الجسيمة في الشعب، ولا ذلك التراخي في الأديار.
من الثابت أننا إذا حل يوم الدين، لن
نسأل عما قرأنا بل عما فعلنا، ولا عن درجة فصاحتنا في الكلام بل عن مقادر تقوانا
في الحياة.
قل لي : أين هم الآن جميع أولئك السادة
والمعلمين الذين عرفتهم جيدا وهم أحياء زاهرون بالعلوم؟
إن وظائفهم يشغلها الآن آخرون، ولا أدري
هل هم يخطرون على بال هؤلاء. لقد كانوا في حياتهم يبدون كأنهم شيء عظيم أما الآن
فليس من يأتي بذكرهم.(( سرعان ما يزول مجد العالم)).
ليت سيرتهم كانت على وفق علومهم إذن
لكانوا أحسنوا الدرس والمطالعة.
ما أكثرهم في العالم، أولئك الذين يهلكون
بسبب العلم الباطل، وقلة اهتمامهم بعبادة الله!
فإنهم لإيثارهم العظمة على التواضع،
يضمحلون في أفكارهم.
العظيم حقا ، من كانت محبته عظيمة.
العظيم حقا ، من كان صغيرا عند نفسه،
وحسب كل ذرى المجد كلا شيء.
الحكيم حقا ، من عد الأرضيات كلها أقذارا
ليربح المسيح.
والعالم العالم حقا ، من يعمل إرادة
الله، ويهمل إرادة نفسه.
بداية الصفحة
الفصل الرابع
في التبصر في
الاعمال
1- لا ينبغي لنا أن نصدق كل قول، ولا أن نثق
بكل هاجس، بل علينا أن نروز ألأشياء .
واحسرتاه على ضعفنا فإنا كثيرا ما نصدق أو
نقول الشر في الآخرين، بأسهل مما نصدق أو نقول الخير.
أما ذوو الكمال ، فلا يطمئنون بسهولة إلى
كل محدث ، لأنهم يعرفون ما في الضعف البشري ، من جنوح إلى الشر ،
ومن سرعة زلل في الكلام.
2- إنها
لحكمة عظيمة، أن يتسرع الإنسان في الأعمال وأن لا يتمسك، بعناد ، بآرائه الخاصة.
ومن الحكمة أيضا ،
أن لا نصدق كل ما يقول الناس وأن لا نعجل
فنذيع على مسامع الآخرين ، ما سمعناه أو صدقناه.
إلتمس مشورة الرجل الحكيم ، الصادق
الضمير ، وآثر أن يرشدك من هو خير منك ، أولى من أن تتبع آراءك الذاتية.
السيرة الصالحة ، تجعل الإنسان حكيما
بحسب الله، وخبيرا في شؤون كثيرة.
بقدر ما يزداد الإنسان إتضاعا في ذاته،
وخضوعا لله، تزداد في كل حكمته وطمأنينته.
بداية الصفحة
الفصل الخامس
في مطالعة الكتب المقدسة
1- يجب
أن تبتغى في الكتب المقدسة، الحقيقة، لا الفصاحة ، وان يقرأ الكتاب المقدس كله ،
بالروح الذي أوحاه.
فلنطلب إذن بالأولى ، في الأسفار
المقدسة، الفائدة لا براعة الكلام.
كذلك علينا أن نرتاح لقراءة الكتب التقوية
البسيطة، إرتياحنا لقراءة الكتب السامية والبليغة.
لا يوقفنك شأن المؤلف: أمن كبار الادباء هو
أم من صغارهم؟ بل فليحملك على المطالعة حب الحقيقة الخالصة.
لا تسل عمن قال ، بل انظر إلى ما يقال.
2- الناس يزولون ، أما (( صدق الرب ، فيدوم
إلى الأبد)).
إن الله يكلمنا بطرق مختلفة، ومن غير
محاباة للوجوه.
كثيرا ما يكون الفضول عائقا لنا، في
مطالعة الكتب المقدسة، إذ نريد التفهم والجدال، حيث ينبغي العبور ببساطة.
إن شئت أن تجني نفعا، فاقرأ بتواضع
وبساطة وإيمان، ولا تبتغ أبدا سمعة العلم.
إرتح إلى السؤال، واصغ صامتا إلى أقوال
القديسين، ولا تسوك أمثال الشيوخ، فإنه لم ينطق بها عبثا.
بداية الصفحة
الفصل السادس
في الأميال المنحرفة
1- كلما اشتهى الإنسان شيئا على خلاف
الترتيب ، عاد في الحال قلقا في نفسه.
المتكبر والبخيل لا يستريحان أبدا، أما
المسكين والمتواضع بالروح ، فيعيشان في وفرة السلام.
من لم يمت بعد لنفسه موتا كاملا ، يجرب
سريعا ويغلب في أمور زهيدة تافهة.
من كان بعد ضعيف الروح ، غير مستكمل التحرر
من الجسد، ومائلا إلى المحسوسات ، فإنه لا يستطيع من غير صعوبة، أن يمتنع تماما عن
الشهوات الأرضية.
فلذلك كثيرا ما يغتم عند امتناعه عنها ، وإن
قاومه أحد ، غضب بسهولة.
2- وإن
نال بغتة ، أعنته في الحال توبيخ ضميره، لأنه اتبع هواه فلم ينله الهوى ما طلب من
السلام.
فسلام القلب الحقيقي إذن ، إنما هو في
مقاومة الشهوات لا في التعبد لها .
وليس من سلام في قلب الإنسان الشهواني ،
ولا في الإنسان المكب على الأمور الخارجية، بل في الإنسان الروحي ، المضطرم
العبادة.
بداية الصفحة
الفصل السابع
في الهرب من الامال الباطلة ومن التشامخ
1- إنه
لفاقد اللب، من يجعل رجاءه في الناس، أو في غيرهم من الخلائق.
لا تستحي أن تخدم الآخرين حبا ليسوع
المسيح، ولا أن تظهر فقيرا في هذا العالم.
لا تعتمد على نفسك، بل اجعل في الله
رجاءك. إعمل ما في وسعك ، والله يعضد حسن نيتك.
لا تتكل على علمك ، أو على دهاء أحد من البشر
، بل بالحري على نعمة الله ، الذي ينصر المتواضعين ، ويذل الواثقين بأنفسهم.
2- لا تفتخر بالغنى ، إذا توفر لك، ولا
بالأصدقاء على أنهم مقتدرين ، بل بالله الذي يمنح كل شئ ، ويرغب فوق كل شئ، أن يهب
ذاته.
لا ترتفع لقامتك أو لجمال لجسمك، فإن
مرضا طفيفا قد يفسده ويذويه.
لا تعجب بنفسك لمهارتك وذكائك، لئلا تسؤ في
عيني الله ، الذي منه كل ما فيك من خير طبيعي.
3- لا
تحسب نفسك أفضل من الآخرين لئلا تعد شرا منهم لدى الله(( العالم بما في الانسان)).
لا تستكبر بأعمالك الصالحة ، فإن أحكام الله
تغاير أحكام الناس، وما يروق البشر، كثيرا ما يسؤ في عينيه.
إن كان فيك بعض الصلاح ، فأيقن أن في
الآخرين ما هو أفضل، لكي تستمر على التواضع.
لا ضير عليك إن وضعت نفسك دون الجميع،
لكنه يضرك كثيرا أن ترتفع ، وإن على واحد فقط.
للمتواضع سلام دائم ، أما المتكبر ،
فالحسد والغضب غالبا في قلبه.
بداية الصفحة
الفصل الثامن
في
الحذر من الالفة المفرطة
1- لا تكشف قلبك
لكل إنسان، بل عالج امرك مع الحكيم المتقي الله.
كن في النادر مع الاحداث والغرباء.
لا تتملق الأغنياء، ولا ترتاح إلى الظهور
أمام العظماء. صاحب الوضعاء والسذج، والاتقياء وحميدي السيرة، وكلمهم بما فيه
البنيان.
لا تؤالف امرأة على الاطلاق، بل استودع الله إجمالاً، جميع النساء الصالحات.
تق أن لا تؤالف سوى الله وملائكته، وتجنب أن
يعرفك الناس.
2- المحبة واجبة للجميع، أما المؤالفة فلا تليق مع الجميع.
قد يتفق احيانا أن شخصا يشتهر بحسن السمعة
ما دام مجهولا، فإذا حضر ساء في عيون الناظرين.
قد نظن في بعض الاحيان، أنَا نسر الآخرين
بملازمتنا لهم على حين نبدأ بالحري نسوء في عيونهم لما يرون فينا من رداءة السيرة.
بداية الصفحة
الفصل التاسع
في الطاعة والخضوع
1- إنه
لأمر عظيم جدا ، أن يعيش الإنسان في الطاعة ، خاضعا لرئيس وغير مالك زمام نفسه.
إن الخضوع لآمن بكثير من الرئاسة كثيرون هم
تحت الطاعة عن اضطرار ، اولى مما عن محبة ، فهؤلاء هم في عذاب وبسهولة يتذمرون.
ولن يحصلوا على حرية الروح ، ما لم يخضعوا
من كل قلوبهم ، لأجل الله.
جل حيثما شئت : فإنك لن تجد الراحة ، إلا في
الخضوع بتواضع لتدبير الرئيس.
كثيرون ظنوا ان تبديل الأماكن يفيدهم ،
فغرهم ظنهم.
2- لا
شك أن كل واحد يحب العمل بحسب رأيه ويميل بالحري الى الذين يرون رأيه.
ولكن ، إن كان الله في ما بيننا، فمن
الضروري ، أحيانا ، أن نتخلى حتى عن آرائنا الذاتية، لأجل السلام.
ومن تراه صار من العلم، بحيث يعرف كل شئ
تمام المعرفة ؟
فلا تثق إذن برأيك بإفراط، بل اصغ أيضا
بارتياح لرأي الآخرين.
إن كان رايك صائبا ، وتركته لأجل الله
واتبعت رأيا آخر ، فإنك تجني من ذلك فائدة أعظم.
3- كثيرا
ما سمعت أن الأصغاء وقبول المشورة، آمن من إسدائها.
وقد
يتفق ايضا ان تكون آراء كل واحد حسنة ولكن رفض مجاراة الآخرين ،
عندما
يقتضيها العقل او الاحوال لدليل على الكبرياء والعناد.
بداية الصفحة
الفصل العاشر
في تجنب الكلام النافل
1- إجتنب ما
استطعت ، جلبة الناس ، فإن الأحاديث عن الشؤون العالمية تعوق كثيرا، وإن كانت عن
نية سليمة.
سرعان
ما تدنسنا الأباطيل وتأسرنا.
أود
لو أني مرات كثيرة حفظت الصمت ولم أكن بين الناس.
ولكن
لم نرتاح جدا الى الكلام والتحدث بعضنا الى بعض ونحن قلما نعود الى الصمت ن من غير
انثلام في الضمير.
إنا
لنرتاح جدا الى الكلام ، لأنا ، بتبادل الحديث، نبتغي التعزية بعضنا من بعض، ونرغب
أن ننعش قلبنا المتعب بمختلف الأفكار.
وأكثر
ما نرتاح إليه في الحديث والتأمل ، إنما هو الأمور التي نحبها او نشتهيها بالأكثر،
او تلك التي نراها معاكسة لأميالنا.
2- ولكن
– يا للأسف ! – كثيرا ما يكون ذلك عبثا وباطلا.
فإن
هذه التعزية الخارجية ، إنما تلحق ضررا جسيما بتعزيات الله الداخلية.
فيجب
إذن السهر والصلاة لئلا يمر الزمن في البطالة.
إذا
كان الكلام جائزا ونافعا، فتكلم بما هو للبنيان.
إن
العادة الرديئة ، والتهاون في أمر تقدمنا لمن أكبر الموانع لنا عن ضبط أفواهنا.
على
أن المذاكرة التقوية في الامور الروحية تفيد كثيرا للتقدم الروحي، ولاسيما إذا اجتمع
في الله قوم، قد تماثلوا في القلب والروح.
بداية الصفحة
الفصل الحادي عشر
في تحصيل السلام وفي الغيرة على
التقدم
1- لولا رغبتنا في الاهتمام بأقوال الآخرين وأفعالهم
وبالأمور التي لا تعنينا، لكان في استطاعتنا أن نتمتع بسلام وافر.
كيف يستطيع البقاء طويلا في السلام، من
يتدخل في مهام الآخرين ، او من يطلب فرص الاندفاع إلى الخارج، ولا يختلي في نفسه
إلا قليلا أو نادرا ؟ طوبى للسذج ! فإنهم يحصلون على سلام وافر.
2- لم بلغ بعض القديسين درجة سامية من
الكمال والمشاهدة؟
لأنهم اجتهدوا في إماتة أنفسهم، إماتة
كاملة، عن جميع الشهوات الأرضية ، فاستطاعوا أن يتحدوا بالله من صميم قلوبهم،
ويتفرغوا لذواتهم بحرية.
أما نحن ، فشغلنا الشاغل في اهوائنا
الذاتية، واهتمامنا المفرط في الأمور الزائلة.
إنه لمن النادر أن نقمع تماما ، ولو
رذيلة واحدة ، ثم إننا لا نضطرم غيرة على تقدمنا اليومي، ولذلك نبقى باردين ، لا
حرارة فينا.
3- لو
كنا أمواتا عن انفسنا بالتمام ، وأقل ارتباكا في دواخلنا، إذن لاستطعنا أن نتذوق
حتى الأشياء الإلهية ، ونخبر شيئا من المشاهدة السماوية.
إن
العائق الأعظم بل الوحيد ، هو أننا غير أحرار من الأهواء والشهوات ، ولا نجتهد أن
نسلك طريق القديسين الكامل.
فإذا عرضت لنا شدة طفيفة ، فشلنا في
الحال وعمدنا الى التعزيات البشرية.
4- لو اجتهدنا أن نثبت كرجال بأس في القتال
، لرأينا بلا ريب ، معونة الرب، تنحدر علينا من السماء. فإنه مستعد لنصرة
المجاهدين ، والمتوكلين على نعمته، لأنه هو الذي يوفر لنا أسباب الجهاد ، كيما
ننتصر.
إن
حصرنا تقدمنا الروحي في الممارسات الخارجية فقط ، فتقوانا صائرة سريعا الى الزوال.